آراء
لم ينس أحدنا ولا أظن سننسى قط الجرائم المشينة التي ارتكبتها الشركات الأمنية الأمريكية الخاصة في العراق إبان الغزو الأمريكي ٢٠٠٣. وكأنّ الولايات المتحدة أرّخت لعصر الحروب بالوكالة وتجنيد المرتزقة بعقودٍ أمنية صورية آنذاك، لتفتح باب الجحيم على دولٍ مزقتها الحروب الأهلية بسلاح أبنائها والمرتزقة في آنٍ معًا. لم أستغرب من الإعراب الأمريكي النية إرسال بلاك ووتر، الشركة الأمريكية الأمنية سيئة الصيت إلى فنزويلا، لما قالت إنّه حماية المنشآت النفطية الفنزويلية التي وضعت واشنطن يدها عليها بإعلانٍ من طرف البيت الأبيض، تبعه تطورات مخزية بدت كمسرحية من الكوميديا السوداء لموليير. اتصالان من رئيسة فنزويلا بالوكالة وزعيمة المعارضة، تبعهما مشهدٌ مهين لزعيمة المعارضة وقد سلمت جائزة نوبل التي مُنحت لها لترمب من الباب الخلفي لتوصيل الطلبات للبيت الأبيض، دون أيّ استقبال دبلوماسي رسمي، لتؤطر لجشع الرئيس الأمريكي واستماتته على الجائزة وعلى الهيمنة الفجة الصريحة على مقدرات الأمم.
الذين يصدقون أنّ حماية المنشآت النفطية سببٌ كافٍ لاستدعاء شركة مرتزقة أمنية أمريكية، يحتاجون إلى مراجعةٍ تاريخية لا إلى بيان رسمي. لأنّ المعنى الصريح لهذه العبارة ليس حماية منشآت، بل حماية سطو على ثروات دولة ذات سيادة. ليس تأمين النفط، بل تأمين النهب. ليس استقرار دولة، بل تثبيت اليد التي سرقت ثمّ رفعت لافتة تقول نحن نحمي ما سرقناه. في عالم أكثر انضباطًا كان هذا يسمى قرصنة، وفي عالمنا المبتذل صار يسمى سياسة خارجية، وفي نسخة واشنطن الحديثة صار يسمى ”شراكة أمنية“؛ وكأنّ الجريمة يمكن أن تتحوّل إلى عقد خدمات بمجرّد أن يوقعها محامون أنيقو المظهر.
الولايات المتحدة لا ترسل بلاك ووتر لأنّ فنزويلا في خطر، بل لأنّ واشنطن هي الخطر عينه. هي التي تحاصر اقتصاد بلد كامل ثمّ تتظاهر بالأسف لانهياره. هي التي تسرق العائدات ثمّ تتباكى على سوء الإدارة. هي التي تصنع الأزمة ثمّ تتدخل عنوة في زي ذئب يخبيء أنيابه خلف ابتسامة هوليوودية مصطنعة. وما بلاك ووتر هنا إلا الخنجر، أداة قذرة لعمل قذر، يفضل البيت الأبيض أن ينجزه بعيدًا عن الكاميرات وبعيدًا عن أيّ مساءلة قانونية، وبعيدًا عن أيّ جندي رسمي قد يعود في تابوت يثير غضب الرأي العام الأمريكي.
من يعرف تاريخ بلاك ووتر في العراق يعرف أنّها ليست شركة أمنية، بل مؤسسة قتل تحت الطلب. رخصة مفتوحة للقتل خارج القانون، وجواز مرور فوقه، ومختبر عملي لتحويل الانسان إلى هدفٍ محتمل، فقط لأنّه يقف في الشارع الخطأ، أو ينظر النظرة الخاطئة أو يقترب من الموكب الخطأ. هذه ليست سمعة سيئة، هذه هوية! ليست تجاوزات فردية، بل وظيفة! وعندما تعود بلاك ووتر إلى فنزويلا، فهي لا تعود لتحرس بوابة منشأة، بل لتقف كالعثرة على رقبة دولة ذات سيادة اختُطف رئيسها في عالم المطورين العقاريين وتجار السلاح والنفط.
الأكذوبة الكبرى أنّ واشنطن لا تزال تسوّق لنفسها كحامية للديمقراطية. وأكتبها جازمة مع الأسف؛ إنّ الديمقراطية التي تأتي عبر تجويع الناس ليست ديمقراطية، بل ابتزاز استعماري مباشر. الديمقراطية التي تأتي عبر حصار الدواء والغذاء ليست ديمقراطية، بل عقاب جماعي. الديمقراطية التي تأتي عبر مرتزقة ليست ديمقراطية، بل انقلاب ببزة رسمية. لكن واشنطن ترمب تصر على تكرار الأكذوبة التي باتت جزءًا من الضجيج العالمي، والضجيج يصنع غطاءً ممتازًا للجريمة.
فنزويلا ليست حالة فردية. هي حلقة جديدة في سلسلة قديمة. العراق كان بداية صريحة لفكرة ”خصخصة الحرب“ أو ”السلاح الخاص“، حين قرّرت واشنطن أنّ القتل نشاطٌ اقتصادي، وأنّ الفوضى يمكن أن تصبح استثمارًا، وأنّ الدولة يمكن أن تتحوّل إلى سوقٍ مفتوحة للنهب تحت شعار إعادة الإعمار. وبعد العراق جاءت نماذج اخرى، وتغيّرت الأسماء، وتبدّلت اللافتات، لكن الجوهر لم يتغير. كلّ دولة تملك موردًا وتفتقر إلى حماية دولية حقيقية تصبح مرشحة لأن تكون ساحة اختبار. كلّ شعبٍ يرفض أن يُركّع يصبح مرشحًا لأن يكون هدفًا لدرسٍ نموذجي. وكلّ حكومة لا تفتح خزائنها طوعًا يمكن أن تفتحها قسرًا تحت ضغط العقوبات ثمّ تحت تهديد السلاح.
وهنا بالضبط تظهر بلاك ووتر كإعلانٍ رسمي بأنّ واشنطن لا تريد حتى أن تتظاهر بالالتزام بالقانون. لأنّ القانون، مهما كان هشّا، لا يسمح بوضوح بهذه الفجاجة. لذلك يأتون عبر شركات، عبر مقاولين، عبر خبراء أمن، عبر متعاقدين. تتبدل الكلمات لتغطي الفعل، لكن الفعل واحد. عنف خارج الدولة، لكنّه يعمل لصالحها. قتل بلا راية، لكنّه يخدمها، جريمة بلا بصمات، لكنّها تحمل رائحة واشنطن في كلّ خطوة.
الأخطر أنّ هذا النموذج يعيد تعريف كنه الدولة نفسها. الدولة التي لا تستطيع حماية مواردها من الخارج ليست دولة كاملة السيادة. والدولة التي لا تستطيع منع شركة مرتزقة من التحرك داخل حدودها ليست دولة، بل مساحة مفتوحة للتدخل وللمساومة والابتزاز. وحين تتحوّل الدول إلى مساحات، يتحوّل الناس إلى أرقام، وتتحوّل حياتهم إلى تفصيل صغير في تقرير استخباراتي طويل، يُكتب ببرودٍ ويُختم بقرار التصعيد والتدخل العسكري أو الأمني أو كلاهما معًا.
وما يثير الغثيان حقا هو هذا الاستعراض الأخلاقي الذي يصاحب كلّ تدخل. واشنطن لا تأتي لتقول نريد الاستغلال، بل تقول نريد الحرية. لا تقول نريد السيطرة، بل تقول نريد حماية الشعب. لا تقول نريد كسر إرادة الدولة، بل تقول نريد إنقاذها. ثمّ عندما تنتهي المسرحية، يكتشف الناس أنّ الإنقاذ كان مجرّد غطاء لنهب منظم، وأنّ الحرية كانت مجرّد كلمة لتجميل الذبح والسلخ، وأنّ حماية الشعب كانت حماية مصالح الشركات التي تبتلع كلّ شيءٍ ثم تطلب المزيد.
ولأنّ العالم تعلم شيئا من العراق، صارت الهيمنة الأمريكية والغربية أكثر حذرًا في استخدام الجيوش. صاروا يفضلون السردية الرمادية والعبارات المطاطة. العقوبات أولا. الحرب النفسية ثانيًا. الانقسام الداخلي ثالثًا. ثمّ المرتزقة في اللحظة التي يحتاجون فيها إلى قوة رديفة تكمل المهمة. لكنّ حقيقة وحيدة لا يمكن تبييضها مهما حاولوا. المرتزقة ليسوا حلًا أمنيًّا، بل دليل إدانة.
بلاك ووتر كلاكيت ثاني مرة، نعم. لكن هذه المرة ليست مجرّد فضيحة. هذه المرة رسالة. رسالة تقول إنّ واشنطن مستعدة لإعادة انتاج أسوأ ما فعلته في العراق، لكن بدهاء أكبر، وبكلفةٍ سياسية أقل. رسالة تقول إنّ النفط لا يزال معبودًا، وإنّ السيادة لا تزال قابلة للبيع، وإنّ دماء الشعوب لا تزال رخيصة في سوق المصالح الدولية.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا تردد هو التالي؛ أكم من دولة في منطقتنا، وفي دول العالم الذي تسميه آلة التضليل البيضاء ”العالم الجنوبي“، تقف اليوم على الحافة نفسها؟ أكم من بلدٍ يملك ثروة ويعيش تحت تهديد دائم لأنّ ثروته ليست له فعليًّا، بل لمن يستطيع السيطرة عليه؟ أكم من شعب سيدفع ثمن هذا العالم الذي يشرعن السرقة بعقود، والقتل بشركات، والاحتلال بمفردات ”الاستقرار“؟
قد لا نملك وقف بلاك ووتر، لكنّنا نملك شيئا جوهريًّا لا يجب التفريط فيه؛ أن نسمي الأشياء بأسمائها. أن نقول إنّ المرتزقة مرتزقة، وإنّ العقوبات حرب، وإنّ حماية المنشآت ذريعة، وإنّ النفط مطمعٌ للاستيلاء. أظنّ أنّنا تعلمنا الدرس بالحديد والنار، للحد الذي معه يتهيأ لنا أن نرفض أن نكون جمهورًا لهذه المسرحية الرديئة مجددًا. وأن نتذكر أنّ العراق لم يكن مجرّد خطأ، بل كان جريمة. وأنّ من يرتكب الجريمة ثمّ يعيد اقترافها في مكانٍ آخر، لا يستحق سوى المواجهة بشجاعة، لا أن يُمنح فرصة تلو الأخرى لكتابة الفصل نفسه على جثث شعوب جديدة.



