مدونات
مُحمّد بن يحيى الرّفاعي
بعد مرور قرابة العام على سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتولي الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع مقاليد الأمور، شهدت الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الجبهة الشمالية (الجولان والجنوب السوري) تحوّلاً جذرياً من المراقبة الحذرة إلى العمل الميداني النشط.
سعت تل أبيب إلى استغلال الفراغ الأمني ومرحلة الانتقال السياسي الهشّة في سوريا لفرض وقائع جيوسياسية جديدة. إذ تشير المعطيات الميدانية المتصاعدة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 إلى أنّ إسرائيل تسعى عملياً لإنهاء مفاعيل اتفاقية فصل القوات لعام 1974، عبر توسيع نطاق سيطرتها الأمنية، واختبار ردّ فعل الحكم الجديد في دمشق تجاه محاولات الاستيطان غير المسبوقة التي تقودها حركات دينية متطرفة.
انهيار الوضع القائم وبناء المنطقة العازلة الجديدة فيما السمة الأبرز للسياسة الإسرائيلية الحالية هي التمدد الصامت، فبينما كان التركيز الدولي منصباً على غزّة وجنوب لبنان، كانت الجرافات والقوات الإسرائيلية تعيد رسم الخرائط في القنيطرة.
تشير البيانات الموثّقة إلى أنّ إسرائيل زادت على عدم اعترافها عملياً بالمنطقة العازلة كمنطقةٍ محايدة، فحوّلتها إلى منطقة عمليات عسكرية خالصة لها. يتضح ذلك من خلال المؤشرات التالية:
الكثافة العملياتية: انتهاء حالة الهدوء الطويل واستبدالها بنشاطٍ عسكري مكثف، حيث سُجل ما لا يقل عن 169 انتهاكاً في شهر أيلول/ سبتمبر 2025، و189 انتهاكاً في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، و218 انتهاكاً إسرائيلياً في محافظات الجنوب (القنيطرة، درعا، السويداء) خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بحسب مركز سِجِل.
التثبيت الميداني: الانتقال من الدوريات العابرة إلى التموضع الثابت، حيث نشرت قوات الاحتلال 9 مواقع عسكرية جديدة في مواقع استراتيجية داخل المنطقة العازلة أو على تخومها.
السيطرة على المفاصل: نصب قوات الاحتلال حواجز تفتيش وتوقيف المارة في القنيطرة، بما يعني ممارسة مهام سلطة أمر واقع داخل الأراضي السورية. هذا السلوك يعكس قراراً إسرائيلياً واعياً بملء الفراغ الأمني، وتحويل المنطقة العازلة من إجراءٍ مؤقت إلى واقعٍ جغرافي دائم، بما يتجاوز روح ونصّ اتفاق 1974.
البعد القانوني: تفريغ اتفاقية فصل القوات من مضمونها، إذ تعمل إسرائيل في الجنوب السوري -إضافةً إلى منطق القوة العسكرية- على تفكيك الإطار القانوني الناظم للصراع. فمع كلّ موقع عسكري جديد، وكلّ دورية داخل المنطقة العازلة، يتمّ تقويض الدور الفعلي لقوات الأندوف، وتحويلها إلى شاهد صامت على تغيّر الوقائع.
عملياً، باتت إسرائيل تتعامل مع الاتفاقية كمرجعٍ تاريخي انتهى مفعوله بسقوط الطرف السوري الذي وقّعها. وهذا السلوك يفتح الباب أمام مرحلة ما بعد القانون الدولي، حيث تُستبدل الاتفاقيات بميزان القوة، ويُعاد تعريف الحدود وفقاً لمعادلات أمنية إسرائيلية أحادية.
الجيش والمستوطنون: توزيع أدوار تواجه السياسة الإسرائيلية اختباراً داخلياً يتمثّل في ضغط اليمين المتطرف، ممثلاً بحركة رواد الباشان التي تأسست في نيسان/ أبريل 2025.
ويمكن قراءة الموقف الإسرائيلي الرسمي عبر مستويين متوازيين: المستوى العسكري الأمني: ما تزال المؤسسة العسكرية حذرة من التورط في حماية بؤر استيطانية مدنية داخل سوريا، في وقتٍ تنشغل فيه بجبهات غزّة ولبنان. لذا، تعاملت مع محاولات التسلل الاستيطاني بوصفها حوادث خطيرة، وجرى إيقاف المتسللين وإعادتهم. فأولوية الجيش هي السيطرة الأمنية لا المغامرة الأيديولوجية.
المستوى الأيديولوجي (المستوطنون): ينطلق رواد الباشان من رؤية توراتية ترى جنوب سوريا امتداداً طبيعياً لإسرائيل التاريخية، ويعتبرون أنّ لحظة سقوط الأسد فرصة نادرة لفرض وقائع ديموغرافية لا يمكن التراجع عنها لاحقاً. التقدير هنا أنّ الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى هذا التناقض كأداة. فهي تستخدم المستوطنين ورقة ضغط غير رسمية على دمشق والمجتمع الدولي، ضمن ما يمكن وصفه باستراتيجية الابتزاز بالفوضى، إمّا قبول الترتيبات الأمنية الإسرائيلية، أو مواجهة انفلات استيطاني يصعب ضبطه.
الجنوب السوري مساحة اختبار لاختلالات الدولة الجديدة
يمثل الجنوب السوري اليوم الحلقة الأضعف في الجغرافيا السياسية للدولة السورية الناشئة. فغياب البنية العسكرية المركزية، وتعدد الفاعلين المحليين، وانتشار السلاح، جعل المنطقة بيئة مثالية للتدخلات الخارجية.
إسرائيل تدرك أنّ دمشق لا تملك حالياً القدرة ولا الرغبة في فتح مواجهة جنوبية، وتستثمر ذلك لتحويل الجنوب إلى منطقة اختبار لمدى صلابة الدولة السورية الجديدة وقدرتها على فرض السيادة، كذلك فإنّ الحسابات الإسرائيلية تُبنى بدقةٍ على قراءة الموقف السوري الحالي.
تدرك تل أبيب أنّ الرئيس أحمد الشرع يتبنّى سياسة تجنب المغامرات العسكرية، ويركّز على تثبيت الشرعية الداخلية، وإعادة فتح قنوات التواصل الدولية، والاعتماد على الوساطة الأمريكية. هذا النهج البراغماتي، رغم ضرورته في مرحلةٍ انتقالية، فُهم إسرائيلياً كمساحة مناورة مفتوحة؛ فغياب الردود السياسية الحادة، وعدم الذهاب إلى تصعيد دبلوماسي دولي واسع، شجعا إسرائيل على الانتقال من الخروقات المحدودة إلى ممارسات السيطرة المباشرة، مثل التفتيش ونصب الحواجز في اختبار واضح لسقف الصبر السوري.
البعد الإقليمي والدولي
انشغال يساوي ضوءاً أخضر تستفيد إسرائيل إلى أقصى حد من حالة السيولة الإقليمية والدولية التي تميّز مرحلة ما بعد 2024، حيث تتقاطع الأزمات الكبرى وتتنافس على سلّم الأولويات الدولية. فالمشهد الإقليمي مثقل بملفات ضاغطة، في مقدمتها تداعيات الحرب في غزّة، ومسارات إعادة الإعمار المعقدة، ومحاولات منع انزلاق جبهة جنوب لبنان إلى مواجهة شاملة، إلى جانب التوترات المستمرة في البحر الأحمر والخليج.
ضمن هذا السياق المزدحم، لا يحتل الجنوب السوري موقعاً مركزياً في حسابات القوى الكبرى، بل يُنظر إليه كملفّ مؤجَّل يمكن إدارته عبر الحد الأدنى من الاحتواء. هذا الانشغال يمتدّ من العواصم الغربية وحتى القوى الإقليمية المؤثرة التي أعادت ترتيب أولوياتها بعد سقوط نظام الأسد، مركّزةً على استقرار داخلي نسبي في سوريا، أكثر من تركيزها على مسألة السيادة الكاملة على الأطراف الحدودية.
وهو ما تلتقطه إسرائيل بدقة، فتتعامل مع الجنوب السوري بوصفه هامشاً جيوسياسياً يسمح بهوامش حركة واسعة، طالما لم يتحوّل إلى ساحة اشتباك مفتوح. في هذا الإطار، تراهن تل أبيب على أنّ أيّ اعتراض سوري رسمي، مهما ارتفع سقفه الخطابي، سيبقى محكوماً بقنوات الوساطة الأمريكية، التي تميل تقليدياً إلى إدارة التوتر لا معالجته جذرياً.
وتقدّر إسرائيل أنّ واشنطن -المنخرطة في إدارة ملفات أعقد- لن تضغط باتجاه تغيير السلوك الميداني الإسرائيلي، بل ستسعى إلى احتواء ردود الفعل السورية ضمن تفاهمات غير معلنة، توازن بين حقّ إسرائيل في الأمن واستقرار الحكومة السورية الانتقالية.
كما تستفيد إسرائيل من غياب إجماع دولي واضح حول مستقبل الترتيبات الأمنية في سوريا الجديدة، ومن ضعف أدوات الردع الدبلوماسي المتاحة لدمشق في هذه المرحلة. فغياب آليات مساءلة فاعلة، وتراجع دور المؤسسات الدولية في فرض الالتزام بالاتفاقيات القائمة، يمنح إسرائيل شعوراً بأنّ كلفة التمدد المحدود أقلّ بكثيرٍ من كلفة التراجع. وبذلك، يتحوّل الانشغال الدولي من مجرّد ظرف عابر إلى عنصر بنيوي في الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث يُعاد تعريف الوقت كحليف سياسي، وكلّ شهرٍ يمر من دون ضغطٍ فعلي يُترجم ميدانياً إلى نقطة عسكرية إضافية، أو خطّ تماس جديد، أو واقع أمني يصعب التراجع عنه لاحقاً الخيارات والسيناريوهات المتوقعة، يمكن القول إنّ السياسة الإسرائيلية تجاه الجنوب السوري تتحرك ضمن أطر سيناريوهاتٍ محسوبةٍ، تختلف في أدواتها لكنّها تتقاطع في هدفها المركزي، وهو: إعادة تعريف الجبهة الجنوبية السورية كمساحةٍ أمنيةٍ إسرائيليةٍ متقدمة.
وعليه، يمكن تحديد مسارين رئيسيين، مع وجود احتمالات فرعية داخل كل منهما: السيناريو الأول: تكريس المنطقة العازلة الموسَّعة في هذا السيناريو، تواصل إسرائيل سياسة القضم الهادئ من دون إعلان رسمي، عبر تثبيت وقائع ميدانيةٍ متدرّجةٍ يصعب تفكيكها لاحقاً. ستُكثف عمليات بناء النقاط العسكرية، وشق الطرق اللوجستية، وتعزيز شبكات المراقبة، بما يحوّل المنطقة العازلة إلى نطاق أمني فعلي بعمق أكبر داخل الأراضي السورية.
في المقابل، ستسعى تل أبيب إلى إبقاء هذا التمدد ضمن سقف لا يستفز ردود فعل دولية حادة، مع الحرص على تجنب سقوط ضحايا مدنيين بأعداد كبيرة أو مواجهات مباشرة مع قوات سورية نظامية. ضمن هذا المسار، ستستمر إسرائيل في منع الاستيطان المدني العلني، إدراكاً منها أن المرحلة الراهنة تتطلب تثبيت السيطرة الأمنية أولاً، وتأجيل البعد الديموغرافي إلى وقتٍ لاحق، كما ستعمل على تحييد قوات الأندوف عملياً، عبر فرض وقائع تجعل دورها شكلياً، من دون الوصول إلى حد طردها أو الاشتباك معها.
يُراهن هذا السيناريو على استمرار الواقعية السورية الحالية، وعلى انشغال دمشق بملفات داخلية أكثر إلحاحاً، بما يسمح لإسرائيل بتحويل المنطقة العازلة الموسعة إلى أمرٍ واقع طويل الأمد، يُعاد تعريفه لاحقاً كحدّ أمني جديد غير قابل للتفاوض — وهو السناريو الأكثر ترجيحاً.
السيناريو الثاني: الانتقال التدريجي إلى الاستيطان الرعوي منخفض الكلفة، ويفترض هذا السيناريو استمرار الغياب شبه الكامل لأيّ رد سياسي أو دبلوماسي فعّال من الجانب السوري، إلى جانب تراجع الاهتمام الدولي بملف الجنوب. في هذه الحالة، قد تبدأ الحكومة الإسرائيلية بالتغاضي عن نشاطاتٍ محدودة تقودها مجموعات مثل رواد الباشان، تحت مسمّيات غير صدامية كالرعي، أو الزراعة الموسمية، أو السياحة البيئية. هذا النمط من الاستيطان الناعم يسمح لإسرائيل باختبار ردود الفعل من دون تحمّل كلفةٍ سياسيةٍ عالية، ويخلق في الوقت نفسه حضوراً بشرياً مدنياً يُستخدم لاحقاً كذريعة لتعزيز الحماية العسكرية، ومن ثم توسيع السيطرة الجغرافية.
ويكمُن خطر هذا السيناريو في أنّه يُحوّل الاحتلال العسكري المؤقت إلى عمليّة قضم ديموغرافي تدريجية، يصعب التراجع عنها من دون مواجهةٍ مباشرة. كما أنّ هذا المسار يُعزّز من نفوذ اليمين الديني داخل إسرائيل، ويمنحه إنجازاً عملياً يُترجم لاحقاً في الخطاب السياسي الداخلي، ما قد يدفع الحكومة، حتى لو كانت متحفظة، إلى مسايرة هذا الواقع بدلاً من الصدام معه.
السيناريو الثالث: احتواء إسرائيلي مقابل تصعيد دبلوماسي سوري محدود يظلّ هذا السيناريو أقل ترجيحاً، لكنّه يبقى ممكناً في حال قررت دمشق كسر نمط الصمت الحالي عبر تحركات دبلوماسية مدروسة، دون الذهاب إلى تصعيدٍ عسكري. في هذه الحالة، قد تلجأ إسرائيل إلى تجميد بعض مظاهر التمدد العلني، مع الحفاظ على جوهر السيطرة الأمنية، في محاولةٍ لامتصاص الضغوط السياسية من دون تقديم تنازلات حقيقية.
هذا السيناريو لا يعني تراجعاً إسرائيلياً بقدر ما يعكس إعادة ضبط إيقاع التحرك، بحيث تبقى الوقائع الأساسية قائمة، مع خفض مستوى الاحتكاك الإعلامي والسياسي.
السيناريو الرابع: خطأ تقدير يقود إلى احتكاك غير محسوب يبقى خطر الانزلاق قائماً، سواء نتيجة حادث ميداني، أو اشتباك مع فاعلين محليين، أو تجاوز غير محسوب من إحدى المجموعات الاستيطانية رغم نية حكومة الاحتلال الإسرائيلي عدم فتح معركة غير محسوبة العواقب.
في مثل هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة: إمّا التصعيد المحدود لفرض الردع، أو التراجع التكتيكي لتفادي فتح جبهة جديدة. هذا السيناريو، وإن كان غير مرغوب إسرائيلياً، يظلّ أحد مخرجات السياسات القائمة على التمدد في بيئة هشة وغير مستقرة، حيث يصعب التحكم بكل المتغيرات.
خاتمة
تكشف التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري خلال عام ما بعد سقوط الأسد عن استراتيجية محسوبة تقوم على استثمار الهشاشة الانتقالية للدولة السورية. فإسرائيل لا تختبر قدرة دمشق على الردّ العسكري بقدر ما تختبر قدرتها على تعريف السيادة، وترسيم الخطوط الحمراء، وإعادة إدخال الجنوب ضمن معادلة الدولة لا الفراغ. ما يجري اليوم عملية تفكيك ممنهجة لاتفاقية فصل القوات 1974 عبر تحويل المنطقة العازلة إلى مساحة نفوذ أمني إسرائيلي دائم، قابلة للتوسع كلما طال الصمت السياسي.
وفي هذا السياق، يشكّل توازي الدورين العسكري والاستيطاني جزءاً من منظومة ضغط مركبة تهدف إلى فرض معادلة جديدة على دمشق: أمن مقابل صمت، وسيادة منقوصة مقابل استقرار هش. وعليه، فإنّ مستقبل الجنوب السوري لن يُحسم بعدد المواقع العسكرية الإسرائيلية، بل بمدى قدرة الحكومة السورية على الانتقال من إدارة الضرورة إلى بناء الردع السياسي، ومن الواقعية الدفاعية إلى المبادرة الدبلوماسية الفاعلة. فكلّ تأخير في تثبيت الموقف الرسمي وتحويل الانتهاكات إلى ملفّ دولي ضاغط، سيُترجم ميدانياً إلى خطوات إسرائيلية إضافية، تُعيد رسم الجغرافيا تحت عنوان الأمن، وتُفرغ السيادة السورية من مضمونها الفعلي.


