آراء

لماذا أرعبت مقالة دان كوي القارئ العربي؟ حوار صريح بلا مجاملة مع الذات؟

يناير 18, 2026

لماذا أرعبت مقالة دان كوي القارئ العربي؟ حوار صريح بلا مجاملة مع الذات؟

لم تنتشر هذه المقالة ” كيف تصلح حياتك خلال يوم واحد” لدان كوي  لأنّها “ملهمة”، بل لأنّها حقاً مزعجة على نحوٍ ذكي جداً، ففي عصر اعتاد فيه القارئ أن يُدلَّل نفسيًا، جاءت مقالة دان كوي لتفعل العكس تمامًا، وهي  أن تسحب البساط من تحت المعاني الجاهزة والمعلبة، وتضع القارئ وجهًا لوجه بكلّ جرأة أمام مسؤوليته الوجودية، وهذا هو سرّ انتشارها الأول، وربما السر الأهم.

وما يلفت الانتباه منذ البداية أنّ النصّ لا يتعامل مع فكرة “التغيير” بوصفه مشروعًا للتحسين والتطوير، بل بوصفه انقلابًا جذرياً  في مسار الرؤية، فكوي لا يقول: “افعل أكثر” بشكلٍ مباشر، بل يقول ضمنيًا: “أنت ترى العالم بطريقةٍ تجعلك تفشل، وتُصرّ على تسميته فشلًا”، وهذا التحويل من منطق الأداء غير المحسوس به  إلى منطق الإدراك والوعي منح المقالة عمقًا فلسفيًّا غير مألوف في محتوى التنمية الذاتية، وجعلها قابلة للتداول بين الكثير ممّن سئموا  وملوا الخطاب التحفيزي السطحي.

والسبب الثاني في وجهة نظري لانتشار المقالة  هو أنّها تُعيد الاعتبار للألم بوصفه أداة وعي، لا عيبًا نفسيًّا يتم تجنبه،  فالنصّ لا يطلب من القارئ أن “يتجاوز” معاناته، بل أن ينقّب ويحلّل و يبحث فيها، وأن يسأل: ما الذي تحميني منها هذه الحياة التي أشتكي منها؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يهز بنيته النفسية الكاملة. وفي علم الإدارة لا تبدأ التحوّلات الكبرى من الرؤية الإيجابية، بل من نفاد الصبر  على الواقع القائم.

والسبب الثالث أرى أنّ المقالة ناجحة لأنّها كُتبت بمنطق “النظام” أو “المؤسسة”  لا “الفرد” و الفردانية، فالإنسان هنا ليس ذاتًا حرّة فقط ولا ضحية كاملة، بل منظومة من الأهداف والآمال والرغبات والطموحات، لذلك استعان الكاتب بفكرة أنّ الذكاء هو القدرة على التوجيه المستمر  للذات والثبات على نفس المسار، فأعطت النصّ شرعية معرفية تتجاوز التجربة الشخصية، ودون أن يتحوّل أيضاً  إلى أطروحة أكاديمية جافة.

أمّا السبب الرابع في قوة الانتشار للمقالة  هو طول النص ذاته ، ففي زمن السرعة والثقافة المنطلقة من الفاست فوود، نجد أنّ الطول هنا يعمل قد أبلى بلاء حسناً، وجعل من يُكمل القراءة يستشعر من حيث لا يعلم أنّه ينتمي إلى دائرة “المتهم” الذي يريد اثبات براءته، و المنتظر للفرج على أملٍ بعيد، لذلك يستشعر قارئ المقالة أنّه مستهدف بقوة لذلك لم يجد بداً من المتابعة بالقراءة حتى ولول كانت طويلة .

و أجمل ما في المقالة أنّها لا تمنح القارئ عدوًا خارجيًّا ولا تصنع منافسيه و خصومه، ونجدها لا تلوم النظام السياسي، ولا السوق، ولا العائلة وحدها، بل تؤمن المقالة أنّ العدوّ الحقيقي للانسان، كما يسميه كوي، هو “النمط الداخلي”  أو ذات الانسان أو ضميره أو وعيه، وهذه النقلة الأخلاقية هي ما جعل النصّ ثقيلًا على النفس، لكنّه كان في قمة الصدق، فالقارئ لا يخرج غاضبًا من الآخرين، بل غاضباً من نفسه، وهذا قلق نادر في المحتوى الرقمي في السوشل ميديا.

لذلك نجحت المقالة لأنّها لا تُغلق الدائرة والخاتمة ، فلا نهاية حاسمة، ولا “خطة من خمس خطوات للنجاح”، بل مسار مفتوح للقارئ يحدد هو نفسه أولوياته، وأسئلة يومية، ويوم واحد يُطلب منك أن تكون فيه صادقًا حتى تستيقظ من غفلتك.

شارك

مقالات ذات صلة