مدونات
يونس العيسى
في خضم التحوّلات المتسارعة التي تشهدها الجغرافيا السورية، وخاصة بمحافظة حلب وريفها، وزعزعة استقرارها وأمنها من قبل قوات مليشيات قسد التي كانت تحتل أحياء داخل المدينة وريفها الشرقي، برز توصيف إعادة التموضع من خلال قائد مليشيات قسد مظلوم عبدي، وذلك من خلال تغريدة على موقع أكس، أعلن فيها سحب قواته وتموضعها في مناطق شرق الفرات، حسب وصفه، وجاء كلام عبدي بعد دقائق معدودة من استهداف الجيش السوري مواقع عسكرية محدّدة لقوات تنظيم قسد ومن يدعمها من فلول نظام الأسد وتنظيم حزب العمال الكردستاني في مدينة دير حافر.
وفي العلوم العسكرية يأتي إعادة التموضع أو الانتشار، بناء على تحديات ميدانية أو أمنية، ويكون بالانتقال من منطقةٍ إلى أخرى، وقد يكون استكمالاً لقرارٍ سياسي معين، وعبّر عنه عبدي بقوله في تغريدته “إبداؤنا لحسن النية في إتمام عملية الدمج والالتزام بتنفيذ بنود إتفاقية العاشر من آذار”، وإعادة التموضع مصطلح بالغالب تستخدمه الدول لا التنظيمات، ويجري بعد وقف لإطلاق النار أو توقيع اتفاق سلام وله دوافع عديدة، بينما إعادة التموضع الذي أعلن عنه قائد قوات قسد هو إعلان أحادي الجانب، يشابه إعلان إسرائيل انسحابها من قطاع غزة عام 2005.
رغم أنّ قوات قسد تموضعت بالجغرافيا السورية بدعمٍ من الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي عقب تنامي قوة تنظيم داعش، والدول الكبرى تبحث دائماً عن مناطق غنية بالثروات وتدعم تنظيماً ليكون بمثابة قاعدة عسكرية لتموضع قواتها، ويشبه تماماً، إقامة قيادة عسكرية أمريكية خاصة بأفريقيا (أفريكوم) التي ما لبثت أن استقلت بنفسها وباتت ذراعاً قوية تسهر على مصالح الولايات المتحدة في أفريقيا، وكذلك عملت فرنسا في مالي والساحل الأفريقي.
فإعادة التموضع، حين تصدر عن قيادة عسكرية تملك قرارها، لا تعتبر هروباً من المواجهة، فكيف بقيادة تسيرها قيادات تنظيم pkk ويتحالف معها فلول نظام الأسد وجماعة الهجري بالسويداء، وتستخدم المسيرات الإيرانية لضرب مواقع مدنية بالمدن السورية.
فهل يدرك قائد قوات قسد أنّ استخدامه لمصطلح التموضع، يتطلب منه تغيير أدوات الصراع، ونقل المعركة من مستوى الاشتباك العسكري إلى مستوى القرار السياسي، ليعكس بذلك حرية إرادته وفهمه لطبيعة المنطقة التي تحتلها قواته ومتطلبات الدولة السورية، أم سنكون أمام “أفريكوم” جديد في الجزيرة السورية؟
فما معنى التموضع لقوات قسد بعد كلّ الخراب الذي خلّفته في المناطق التي احتلتها، وتسخيفها للخسائر التي حلّت على سكان المناطق؟ فقوات قسد متموضعة بالكامل بحضن حزب العمال الكردستاني، وتموضعت بمناطق عربية وتهجرت أهلها بالكامل، ومنها مدينة الشيوخ شرق نهر الفرات، إذ رحلت كامل أهلها الذين يتجاوز عددهم 60 ألف نسمة، ودمرت بيوتهم وحرقت أشجار كرومهم، وما زال أهلها مشردين في مدينة منبج وجرابلس على الضفة الغربية لنهر الفرات، ينظرون لمنطقتهم وبيوتهم من خيم لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وينزل عليهم شرر ورماد حرائق بيوتهم ومزروعاتهم، ولا يفصل بينهم وبينها سوى نهر الفرات، ولا يسلم المدنيون على أرواحهم من القنص الذي تقوم به قوات قسد المتموضعة على الضفة المقابلة، وكذلك حرمان أهل مدينة منبج من الطاقة الكهربائية ومصدر المياه نتيجة تموضعهم أيضاً في سد تشرين، وتهجير أهل القرى القريبة منه.
يغلب على صيغة إعادة التموضع التي تريدها قوات قسد طابع المراوغة والمكر، حيث تسعى إلى دمج قواتها بالجيش السوري، مع الحفاظ على نفوذها الجغرافي والسياسي ومواردها الاقتصادية، والحرص على إدامة ارتباطها السري بحزب العمال الكردستاني، رغم نفيها المتكرّر لذلك.
يفهم من إعادة التموضع أنّ قسد تريد أن تظلّ لاعب أساسي في الجغرافيا السورية، والمهيمنة على مواردها، لكنّها لا تجد المرحلة مناسبة لكشف ذلك علناً، وكلّ ما تريده اليوم هو شراء الوقت للمماطلة إلى أن تجد اللحظة المناسبة لفرض نفسها مستخدمة مبدأ التقية الإيرانية والتي تمنحها أيضاً طائرات مسيرة لاستهداف المناطق الآمنة.
ولكن قسد منذ تحرير سوريا من نظام الأسد لم تبدِ أيّ حسن نية، واحتلت عدداً من المناطق بريف حلب الشرقي بعد هزيمة قوات الأسد، واتخذت منها قواعد عسكرية لتهديد مدينة حلب ومناطقها وابتزاز الحكومة بمصادر المياه والطاقة القادمة من نهر الفرات.
إنّ إعادة التموضع كلام لا يفسر شيئاً، والعقل العسكري المليشياوي دائماً يصوغ مصطلحاته بطريقة لا تمنح دلالة واضحة، وأثبتت التجارب مع قسد ومنذ توقيعها اتفاق آذار مع الحكومة السورية أنّها متخصصة في المماطلة والتسويف والتمويه في السياسة والعسكرة وحتى في اللغة، والشعب السوري ليس مطالباً بالعودة إلى قواميس العسكر كي يفهم ما يعنيه جنرال عسكري حين يتحدث عن التموضع، هل هو غطاء تبريري لهزيمة قواته، ودلالة على عجزها أم هو مراوغة؟ وأنّ الأمر يتضمن أبعاداً عسكرية خفية تقتضيها إعادة إصلاح القوة العسكرية وتحديد جغرافيا تموضعها، وتدابير ضرورية للتخلص من الضغوط الداخلية والخارجية؟ وفي الحقيقة إنّ إعادة التموضع محاولة للتذاكي على الحكومة السورية، وكعادة قسد ومنطقها السائد، فكلّ شيءٍ عندها قابل للتبرير، وأشد السياسات كارثية عبر التاريخ، كانت قابلة للتبرير، وفي منطق إعادة التموضع ما يكفي من الحيل عند قسد لفعل نواياها الخبيثة.
إعادة التموضع ليست إلا شراء للوقت، واستراحة محارب خاسر يتطلع إلى دعمٍ جديد من قوى خارجية وفلول ودعاة انفصال، وهو دخان إعلامي لتضليل الرأي العام المحلي والدولي، وخلق انطباع بوجود نية حقيقية للحل السياسي، والمماطلة وفق إيقاع جديد، ولذلك، فإنّ التعاطي مع مصطلح إعادة التموضع يجب أن يكون بحذرٍ بالغ، وفهمٍ عميق للنية الحقيقية الكامنة خلفه.
الاشتباك العسكري الذي خاضه الجيش السوري مع قوات قسد، خرج منه مرفوع الرأس، لأنّه لم يخض معركة استعراضية لإبراز العضلات بل لأنّه لم ينكسر، ولم يُهزم، ولم يتخلّ عن شعبه أو عن مسؤوليته الوطنية في وجه التهديدات التي كانت تشكّل خطراً على العباد والبلاد، فالجيش السوري اختار أن يكون درعاً يحمي الناس، لا وقوداً لمعركة يريد دعاة الانفصال والفلول جره لها، ويريدونها بشروطٍ لا تخدم وحدة سوريا، وهذا الخيار، في ميزان التاريخ، يُحسب للقيادة التي تضع الإنسان قبل الجغرافيا والتموضع بمناطق السيطرة.
فيما كانت قوات قسد تخوض المعركة بقمة العبثية والمهزلة ودون اكتراث لأرواح البشر الذين يسكنون في مناطق سيطرتها ومنعهم من الفرار منها عبر مسارات آمنة، ومن ثمّ فرطت بهم وانسحبت وكأنّها تخوض لعبة مراهنات وقمار، انتهت بتغريدة لقائدها فجأة وبمزاجٍ غير قابل للتفسير سمّاه إعادة تموضع.


