فنون
الكاتب والمخرج “كينيث برانا” يأتينا بفيلم شخصي جدًّا من ذكريات طفولته، وهو فيلم “بلفاست”، الذي أُنتِج في عام 2021، وتدور أحداثه في عام 1969 في مدينة بلفاست في إيرلندا الشمالية مع الطفل “بادي”، الذي يعيش حياةً بسيطة وسعيدة، محاطًا بأسرته المحبة وجيرانه المتقاربين.
لكن سرعان ما يتعكّر صفو هذه الحياة حين تبدأ أعمال العنف والصراعات الطائفية بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت، فتتحوّل الشوارع إلى ساحات خوف وتهديد، وأسرة “بادي” تجد نفسها أمام خيارين مصيريين، إمّا البقاء في الوطن رغم تصاعد الخطر، أو الرحيل بحثًا عن الأمان وضمان مستقبلٍ أكثر استقرارًا. يركّز الفيلم على العلاقة الدافئة بين أفراد الأسرة، وخاصّةً دور الوالدين في حماية طفلهما من قسوة الواقع، وجدّيه اللذين يمثلان الحكمة والحنين والانتماء للجذور.
صياغة النصّ السينمائي كانت متقنة من “كينيث برانا”، ورؤيته الإخراجية مدهشة، أمّا التصوير فقد كان مذهلًا جدًّا بالأبيض والأسود، واللقطات كانت أشبه بلوحةٍ فنية بإضاءاتها وزواياها، وحتى استخدام المشاهد الملونة والقليلة كان له وقعٌ جميل في الفيلم.
أداء الممثلين مبهر من الجميع، وعلى رأسهم “جودي دنش” بشخصيّة الجدة، و”كاتريونا بالف” بشخصيّة الأم، وكذلك أبدع “كيران هايندس” بشخصيّة الجد و”جيمي دورنان” بشخصيّة الأب، ولا أنسى الممثل الواعد “جود هيل” الذي كان قلب الفيلم بشخصيّة الطفل “بادي”.
من أجل التقاط لحظات عفوية صادقة، كان “كينيث برانا” يتعمّد أحيانًا تشغيل الكاميرا خلسة أثناء مشاهد يظنّ “جود هيل” أنّها جزءٌ من التدريبات. وحين بدأ يشط فيما يحدث، لجأ فريق التصوير إلى تغطية الأضواء الحمراء في الكاميرا التي تكشف أنّها في وضع التصوير، واللافت أنّ عددًا كبيرًا من المشاهد التي استقرّت في النسخة النهائية للفيلم لم تكن سوى تلك مشاهد التدريبات العفوية.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم 11 مليون دولار، وقد حقّق نجاحًا لافتًا، بإيراداتٍ تزيد عن 49 مليون دولار في شباك التذاكر العالمي، ومدة الفيلم مثالية، وفي الواقع كنت أريد قضاء وقتٍ أطول مع هذه التحفة الفنية.
المونتاج كان متميزًا، وكذلك تصميم المواقع والأزياء، وقد اعتمد الفيلم على بعض الأغاني الشعبية كخلفية موسيقية للمشاهد، والتي أضافت رونقًا للفيلم.
فاز الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل نصّ سينمائي أصلي، وترشح لـ 6 جوائز أخرى، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل ممثل مساعد “كيران هايندس” وأفضل ممثلة مساعدة “جودي دنش” وأفضل أغنية وأفضل مؤثرات صوتية.
كلّ صانع للأفلام وعاشق للأفلام سيقشعر جلده من الروعة التي يراها على الشاشة، فهذا الفيلم يعيد مجد السينما الأصيلة، ويحتفي بروائع كلاسيكية من السينما والمسرح مثل:-
The Man Who Shot Liberty Valance / High Noon / Chitty Chitty Bang Bang / A Christmas Carol
إنّه بكلّ تأكيد فيلم جميل بقصة كفاح مُلهمة ونبيلة تحتفي بالحب والوئام بين أفراد الأسرة، وتستكشف معنى الانتماء للوطن، من دون أن تنزلق إلى الخطاب السياسي المباشر، بل تختار أن تروي التاريخ من زاوية إنسانية حميمة ومؤثّرة.

