آراء
قلبُ المسلم لا يعيش منعزلًا، ولا يشتدُّ عوده وهو مقطوعٌ عن بقية القلوب، بل يستمدُّ نبضه من مجموعها، ويتقوّى حين يشعر أنّه جزءٌ من جسدٍ واحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. ومن هنا فإنّ وحدة القلوب ليست شعارًا يُرفع، ولا أمنيةً تُتلى، بل نظام حياة، وعادات يومية، ومسار طويل من التربية والمجاهدة.
أولى خطوات هذه الخارطة أن يُربّي المسلم قلبه على سلامة الصدر قبل مطالبة الآخرين بها. فالقلب الممتلئ بالضغائن لا يستطيع أن يكون جسرًا، ومن اعتاد تصنيف الناس قبل فهمهم لن ينجح في جمعهم. سلامة الصدر ليست سذاجة، بل وعيٌ بأنّ الخلاف سنة، وأنّ بقاء الودّ فريضة، وأنّ المقصد أعلى من التفاصيل.
ثمّ يأتي بناء النية الجامعة؛ أن يستحضر المسلم في عباداته، ودعائه، ومواقفه اليومية، أنّه يعمل لأمةٍ لا لنفسه، ولمجموعٍ لا لفئة. النية إذا صلحت أعادت ترتيب الأولويات، فجعلت ما يجمع مقدّمًا على ما يفرّق، وما يوحّد مقدّمًا على ما يُشهر ويُبرز.
ومن أعمدة هذه الخارطة تهذيب اللسان؛ فكم من قلوبٍ تمزّقت بكلمة، وكم من خلافٍ استُحكم بتغريدةٍ أو تعليق. اللسان إمّا أن يكون مرهمًا أو مشرطًا، ومن أراد جمع القلوب فليتعلّم متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يختار العبارة التي لا تهين، ولا تستفز، ولا تستعرض.
ولا يمكن لوحدة القلوب أن تقوم دون فهم سنن الاختلاف. فالفرقاء لا يُقرَّبون بالقسر، ولا تُجمع الأضداد بإلغاء أحدهما، بل بالاعتراف أنّ التنوع في الطبائع، والمناهج، والزوايا، جزءٌ من حكمة الله في خلقه. من فهم هذا، تعامل مع المختلف بوصفه شريكًا في المقصد، لا خصمًا في الطريق.
أما تليين المتصلّب فلا يكون بالصدام، بل بالصبر، وبالقدوة، وبالزمن. فالقسوة غالبًا نتاج خوفٍ أو جرحٍ قديم، ومن يحسن الإصغاء أكثر ممّا يحسن الردّ، يستطيع أن يفتح نوافذ في أكثر القلوب انغلاقًا. اللين لا يعني التنازل عن الحقّ، بل تقديمه بيدٍ دافئة.
وفي المقابل، فإنّ تجميد المائع لا يكون بالشدة الفارغة، بل بالثبات الواضح. فهناك من يذوب في كلّ رأي، ويضيع في كلّ موجة، وهؤلاء يحتاجون إلى نماذج مستقرة، تُشعرهم أنّ الثبات ممكن، وأنّ الوضوح رحمة، وأنّ الالتزام لا يلغي الإنسانية.
ومن العادات اليومية التي تصنع وحدة القلوب: الدعاء بصدقٍ للمخالف قبل الموافق، والبحث عن عذرٍ قبل إطلاق حكم، والفرح بنجاح الآخر كأنّه نجاحك، والحزن على عثرته كأنّها عثرتك. هذه ممارسات صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها.
خارطة الطريق نحو وحدة القلوب لا تُرسم في المؤتمرات وحدها، ولا تُكتب في البيانات، بل تُحفر في النفوس، وتُعاش في البيوت، وتُمارس في العمل، وتُختبر عند أول خلاف. وهي طريق شاق، لكنّه الطريق الوحيد الذي إن سلكته الأمة، استعادت قوتها، لا بكثرة الأصوات، بل بانسجام القلوب.



