مدونات
لم تكن السيطرة على الجزيرة السورية، منذ تحرير مدينة الرقة في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، والباغوز في ريف دير الزور من تنظيم داعش، في آذار/ مارس 2019، مجرّد مسألة جغرافية خرجت من قبضة جماعة متطرفة. بل مثّلت في تلك اللحظة واحدة من أندر الفرص السياسية والاقتصادية التي شهدتها سوريا منذ عقود، إذ اجتمعت عناصر قلّما تتوافر في سياقٍ واحد: ثروة نفطية وغازية كبيرة، ثقل زراعي مؤثر، موقع استراتيجي، ودعم أمريكي مباشر، في ظلّ غياب أيّ قوةٍ محلية أخرى قادرة على تأدية دور الشريك العسكري والسياسي لواشنطن آنذاك.
غير أنّ هذه الفرصة، بكلّ عناصرها المكتملة، انتهت إلى ما يشبه الهدر التاريخي، فلا إعمار حقيقي، ولا تنمية ملموسة، ولا عقد اجتماعي جامع. ومع مرور نحو 8 سنوات على سيطرة “قسد” على الجزيرة السورية، تحوّلت السيطرة الطويلة من فرصة تأسيس إلى عبءٍ سياسي ثقيل، وانكشف أنّ المشكلة لم تكن يوماً في نقص الإمكانات، بل في طبيعة المشروع ذاته، وسوء الإدارة، وغياب الرؤية.
السؤال الجوهري هنا ليس دعائياً: لماذا فشلت “قسد” في تحويل الثروة والدعم الدولي إلى استقرار وتنمية، رغم وجود نموذج قريب للمقارنة، هو إقليم كردستان العراق؟ الجواب يبدأ من طبيعة المشروع نفسه.
فإقليم كردستان العراق، رغم ما يؤخذ عليه من فسادٍ ومحسوبية وبنية اقتصادية مشوّهة، قام على منطقٍ واضح: تحويل القوة العسكرية إلى سلطةٍ سياسية، ثمّ تحويل الثروة إلى أدوات استقرار. لم يكن النفط مجرّد مورد نفوذ، بل ركيزة لبناء بنى تحتية، ومدن، وجامعات، ومطارات، واقتصاد محلي، وإن ظلّ اقتصاداً هشًّا ومعتمداً على المركز. كان هناك إدراك مبكر بأنّ الشرعية لا تُبنى بالبندقية وحدها، بل بالتنمية، والخدمات، وفرص العمل، والإحساس بالأمان.
في المقابل، تعاملت “قسد” مع الجزيرة السورية بمنطق إدارة أمنية دائمة لجغرافيا تُدار بوصفها مؤقتة. لم تتحوّل الثروة إلى أساسٍ لعقد اجتماعي مع السكان، بل إلى أداةٍ لترسيخ النفوذ. فعائدات النفط والغاز لم تُوجَّه إلى مشاريع تنموية كبرى أو إلى إعمارٍ فعلي، بل صُرفت في الغالب على تضخيم الجهازين العسكري والأمني، وتمويل بنية حكم مغلقة تقوم على الولاء السياسي لا على المشاركة المجتمعية، خلافاً لما رُوّج له في الخطاب الرسمي.
هنا يبرز الفارق الجوهري: في كردستان العراق جرى، ولو نسبياً، الفصل بين العسكري والمدني، وبين الحزب والدولة. أمّا “قسد” فبقيت أسيرة تنظيم عسكري أيديولوجي يرى السياسة امتداداً للأمن لا العكس. وكانت النتيجة اقتصاد طوارئ مستمراً، وإدارة تبرّر فشل التنمية بشعار “المرحلة المؤقتة” التي لا تنتهي، لتتحول الاستثناءات إلى قاعدة دائمة.
لكن هذا الإخفاق لا يمكن فهمه دون التوقف عند العامل الحاسم: الدعم الأمريكي.
حظيت “قسد” بما لم تحظَ به أيّ قوة محلية أخرى في سوريا: حماية جوية، وشرعية دولية ضمنية، وسلاح، وتدريب، وزمن سياسي مفتوح نسبياً. وبعد القضاء على داعش، أصبحت الشريك العسكري الوحيد “المقنع” لواشنطن على الأرض السورية. كانت تلك لحظة ذهبية لبناء نموذج حكم قابل للتسويق دولياً: إدارة مستقرة، وتنمية ملموسة، وشراكة حقيقية مع السكان، ولا سيما العرب الذين يشكّلون الغالبية السكانية في الجزيرة.
غير أنّ “قسد” تعاملت مع هذا الدعم بوصفه ضمانة دائمة لا فرصة مؤقتة. وبقيت حبيسة دور “الحارس الذي لا بديل له”: حراسة سجون داعش، وضبط الحدود، وإدارة خطوط التماس. استخدمت أدوات قديمة دون تطوير تجربتها الإدارية، ودون إنتاج مشروع سياسي أو اقتصادي يتجاوز هذا الدور. فلم تتمكن من الخروج من النفق الذي حفرته لنفسها، لا باتجاه دولة منشودة، ولا باتجاه إدارة مدنية حقيقية فوق الأرض.
ومع تقلّص الحاجة الأمريكية، وتغيّر المعادلة السياسية عقب سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، انكشف الغطاء عن الجزيرة السورية، ليطفو إلى السطح نموذج حكم لا يختلف جوهرياً عن سابقه في بنيته الذهنية. فقد برزت ممارسات قائمة على الرشوة والمحسوبيات، وفرض الإتاوات، وإهمال البنى التحتية، وغياب الشفافية، إلى جانب هدر واسع للمال العام. عندها تبيّن أن السيطرة العسكرية، مهما طال أمدها، لا تكفي لإدارة مجتمع، وأن ما جرى بناؤه خلال سنوات لم يرقَ إلى مستوى مؤسسات قادرة على الصمود، ولا إلى اقتصاد محلي يلمس السكان آثاره، ولا إلى شرعية شعبية حقيقية. وهكذا تحولت “الإدارة المشتركة” إلى غطاء شكلي لمشروع عسكري مبتور، واقتصاد أقرب إلى بنية مافيوية، بعيداً عن أيّ تصور حديث للدولة أو للإدارة العامة.
الفشل هنا لم يكن تقنياً فحسب، بل سياسياً بامتياز. فقد حكمت “قسد” منطقة ذات أغلبية عربية دون صياغة عقد سياسي صريح معها. لم تُجرَ انتخابات حقيقية، ولم يتحقّق تمثيل فعلي، ولم يُنجز توزيع عادل للثروة. وُجدت الإدارة المشتركة شكلياً، بينما ظلّ القرار مركزياً بيد بنية حزبية أمنية. حتى الزراعة، التي كان يمكن أن تكون قصة نجاح واضحة، تُركت فريسة للجباية وسوء الإدارة، دون تحديث جدي لشبكات الري أو بناء صناعات غذائية قادرة على خلق قيمة مضافة. ما يؤكد أنّ الإخفاق كان شاملاً، بين الأمن والإدارة والتنمية.
ضمن هذا السياق، يمكن الحديث عن فرصتين تاريخيتين أُهدرتا.
الأولى تمثّلت في السنوات الأولى للسيطرة على الجزيرة السورية، حين امتلكت “قسد” الجغرافيا، والثروة، والدعم، والزمن، لكنّها أخفقت في تحويل ذلك إلى نموذج حكم مستدام.
أمّا الفرصة الثانية، فكانت في التعامل مع ملف حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب. فبدلاً من أن تكون حماية المدنيين هناك أولوية إنسانية وسياسية، جرى استخدام الحيين ورقة ضغط، وزُج بهما في لعبة رهانات لتعطيل أو ترحيل اتفاق 10 آذار. هذا السلوك لم يعزّز الموقع التفاوضي لـ”قسد”، بل عمّق عزلتها، وكرّس صورة توظيف المدنيين في صراعات سياسية، بما يحمله ذلك من كلفة أخلاقية وسياسية باهظة.
في المحصلة، لا تبدو أزمة “قسد” أزمة ظرفية ناتجة عن تبدّل التحالفات فحسب، بل نتيجة مسار طويل من إدارة الفرص بوصفها أدوات سيطرة لا إمكانات تأسيس. ومع انكشاف الغطاء الدولي، وتغيّر المشهد السوري، تقلّصت الهوامش إلى حدّها الأدنى، وأصبحت الخيارات أكثر حدّة ووضوحاً.
ضمن هذا المشهد، يبرز اتفاق 10 آذار بوصفه اللحظة الفاصلة الأخيرة، لا كأداة تعطيل أو ورقة مساومة، بل كاختبار حقيقي للاستعداد للانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة الوطنية. فإمّا مراجعة جذرية تعترف بإخفاقات التجربة السابقة، وتعيد تعريف دور “قسد” بوصفها شريكاً سياسياً ضمن الدولة، لا سلطة موازية لها، وإمّا الاستمرار في إدارة زمن متآكل بسياساتٍ أمنية أثبتت التجربة محدوديتها.
إنّ الرهان المتبقي لا يتعلق بالاحتفاظ بالجغرافيا أو السلاح، بل بالقدرة على إنتاج شرعية جديدة، قوامها تمثيل حقيقي، وانخراط صريح مع جميع المكونات المحلية. دون ذلك، لن تكون خسارة الفرصة مجرّد إخفاق سياسي إضافي في سجل “قسد”، بل خروجاً تدريجياً من المشهد السوري، في لحظةٍ تاريخية نادرة لا تمنح اللاعبين فرصاً متكررة لإعادة التموضع من جديد.


