تأملات

لا تُضَيِّعْ نفحاتِ سِرّكْ

يناير 14, 2026

لا تُضَيِّعْ نفحاتِ سِرّكْ

 في كلّ موقف تعيشه في حياتك، أنت أمام فرصة ذهبية ليتحوّل إلى سرٍّ، أو بابٍ خفيٍّ مباشرٍ مع الله عزوجلّ، فهل أنت ذكيٌّ بما فيه الكفاية ليكون لديك صندوق كبير من الأسرار، أو ربّما سماءٌ من الأسرار؟ كيف سيحدث هذا؟ السِّر أن تستطيع الإحسان حينما لا تطيقه، أي حينما يكون أكبر من طاقتك، أرسلَ لكَ أحدهم رسالة سيئة، الطبيعيّ أن تردّ وتصفعه بكلماتٍ أقوى، لكن في تلك اللحظة تمنع نفسك عن الرّد، بل ترغمها على الصمت، وتنتوي بذلك أن يكون سرّاً صغيراً بينك وبين الله عزّوجلّ، ملخصه يقول (أنا أستطيع الرّد لكنني لن أفعل لأنني أريد أن يفرح بي الله عز وجل ويكتبني من المحسنين) أن ترسل هدية لأحدٍ أساء إليك، ونيّتك أن يتحوّل هذا العمل إلى ( سرّ بينك وبين الله)، أن تجد طفلاً في الشارع وتعطيه قطعة سكاكر ونيّتك أن يتحوّل إلى سرّ، أن تجد شخصاً عابساً فتبتسم في وجهه ( ونيّتك أن تكون تلك الابتسامة سرّاً)، أن تستر على شخص تعلم شيئاً سيئاً عنه رغم أنّ نفسكَ تلحّ عليك بأنْ تتحدث عنه لأنّه ربّما أساء لك يوماً ما أو ربّما لأنّك تشعر بغيرة منه ( ونيّتك أن تحوّل كتمانك هذا إلى سرّ).. وهكذا وكلّما كان الإحسانُ سرّيّاً ونيّتهُ خالصة، كلّما كان نوره ومدده في حياتك أعظم، ذلك لأنَّ سرّ الإحسان هو أمر إلهيّ وسنّةٌ نبويّة، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه” كلّما كثرت أسرارك كلّما كثرت معارجك إلى الله عزوجلّ، وهذا أمر عظيم وجميل في الآن ذاته، لكن هل الأمر سهل؟، لا أستطيع أن أقول بأنّه أمر سهل ولا أستطيع بأنْ أقول أيضاً بأنّه أمرٌ صعب، لكن من صدق الله صدقه، وإذا صدقت في نيّتك أن تكون محسناً وأن يساعدك الله عزوجل على إدراك كنه الأسرار، ستستمتع بما يظنّه الآخرون ( ضعفاً أو طيبةً أو ربّما يسمّونه غباءً أحياناً) من ترك العداء وردّ الإساءة والغضب، وستتمنّى لو أنّهم يدركون عظمة النعمة التي تعيشها مع الله عزّوجلّ وأنت ترتشف من كؤوس الإحسان ما شاء الله لك أن ترتشف. وكلّما صدقتَ، فتح الله عز وجل لك أبواباً أكثر للإحسان، يعني كأنْ تنتقل من المنع عن قول الغيبة والفواحش إلى العطاء أي قول الكلمات الجميلة لكل من تقابله، ومن المنع عن الشكوى من قدر الله عز وجل، إلى شُكر الله على قدره مهما كان، وكأنّك تترقى في دوائر العرفان، فيتحوّل كل سلوكك اللفظي والفعلي إلى سرّ، حتّى وإنْ لم تدركْ ذلك. وأجمل ما في السّرَ أن تكتشفَه، فلا تضيّعه، كثيراً أتخيّل أنّ السّرّ يتحوّل إلى ملاك في حياتي، إلى نورٍ خفيّ لا أراه بعيني، لكن أبصرهُ بقلبي، مثل أن يسيء لي أحد في مكان ما لا أعلمه فيسوق الله عزوجل من يدافع عنّي ربّما ببركة سرّ من تلك الأسرار التي أجتهد في جمعها، مثل أيضاً أن يفتح الله لي باباً بتسخيرٍ عجيب أندهش منه، ببركةِ أيضاً سرٍّ جمعته يوماً ما ونويت به وجه الله عزوجل وهكذا في كلّ موقف يزعجك، أنت بين خيارين إمّا أن تنتصر لنفسك وتسعد الشيطان بجهلك، وإمّا أن تقتنص الفرصة وتحوّله إلى سرّ، فتتذوق نفحاته طيلة عمرك لا تُضيّعْ نفحاتِ سرّك، واغترف من هذه الأنوار وأنت تبصرُ فرح الله عزوجل بك، وخزي الشيطان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
شارك

مقالات ذات صلة