سياسة

المسيَّرات في حلب.. تحوّل أدوات الاشتباك 

يناير 12, 2026

المسيَّرات في حلب.. تحوّل أدوات الاشتباك 

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً في طبيعة التهديدات غير التقليدية في الساحة السورية، كان أبرزها تنامي استخدام الطائرات المسيّرة، لا سيّما من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي انتقلت من الاعتماد على هذه الوسائل لأغراض الاستطلاع إلى توظيفها كأداةٍ هجومية مباشرة. وقد توج هذا المسار التصاعدي خلال شهر كانون الثاني/ يناير 2026، حين نفّذت قسد سلسلة من الهجمات باستخدام درونات انتحارية ضد أهداف داخل مدينة حلب، في تصعيد غير مسبوق عكس تحوّلاً نوعياً في أدوات الاشتباك.

لطالما استخدمت قسد الطائرات المسيّرة لأغراض الرصد والدفاع الموضعي، مستفيدة من الدعم التقني الذي وفرته قوات التحالف الدولي في سياقاتٍ مختلفة. ومع مرور الوقت، استطاعت هذه القوات تطوير منظوماتها الخاصة، لتتحوّل من وحداتٍ استخبارية مساندة إلى وحداتٍ هجومية تستخدم تقنيات الحرب غير المتماثلة، وتوظفها داخل بيئات حضرية كثيفة السكان. تشير الأدلة المتراكمة إلى أنّ قسد بدأت منذ عام 2024 باختبار المسيّرات الانتحارية في مناطق مختلفة من الشمال السوري، بما في ذلك استهدافات محدودة ضدّ مواقع فصائل المعرضة آنذاك في منبج، إلا أنّ استخدامها الأخير بداية عام 2026 بعد عام من سقوط نظام الأسد في حلب، المدينة ذات الرمزية الاستراتيجية والسياسية، شكّل تحوّلاً لافتاً من حيث الرسالة والأثر.

يأتي هذا التصعيد في وقتٍ يشهد فيه الشمال السوري حالة من إعادة تموضع القوى، بعد فشل اتفاق آذار/ مارس 2025 الذي كان ينصّ على عدة بنود منها دمج وحداتها ضمن الجيش الوطني السوري الجديد. رفضت قسد تنفيذ بنود الاتفاق، واحتفظت بمواقع داخل حلب، ما أدّى إلى بروز توترات قابلة للاشتعال في أيّ لحظة. وتبدو الحكومة السورية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، عازمة على استعادة السيادة الكاملة على المدن الكبرى، بما في ذلك إخراج الفواعل المسلحة غير الرسمية من مناطقها.

بدأت ملامح هذا التصعيد في الأسبوع الأول من كانون الثاني/ يناير من عام 2026، بعد أن فرضت وحدات الجيش السوري طوقاً عسكرياً محكماً على معاقل قسد والآسايش في حيي الشيخ مقصود والأشرفية داخل مدينة حلب. وفي ردّ فعل ميداني مباشر، أقدمت قسد على شنّ هجمات مدفعية وقنص ضد مواقع الجيش، إلا أنّ الحدث الأبرز تمثّل في استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية. ففي السادس من الشهر، رُصد أول هجوم من هذا النوع على نقطة عسكرية سورية عند أطراف حيّ الشيخ مقصود، أسفر عن مقتل جندي وإصابة اثنين، وهو ما اعتُبر إنذاراً أولياً بقدرة قسد على تنفيذ هجمات دقيقة من مسافات متوسطة.

بالتوازي، استهدفت قسد بالقصف المدفعي أحياء الميدان والسريان والمناطق المجاورة، ما أدّى إلى سقوط ضحايا مدنيين تجاوز عددهم العشرين، بينهم نساء وأطفال. لم تكن هذه الهجمات معزولة عن السياق الأوسع، إذ كانت تأتي في إطار محاولة قسد فرض معادلة ردع جديدة تُرغم الجيش السوري على وقف الضغط العسكري على معاقلها داخل المدينة.

الآثار الإنسانية كانت بالغة، إذ أفادت تقارير طبية أنّ حصيلة الضحايا خلال الأسبوع الأول من التصعيد بلغت 23 قتيلاً وأكثر من 100 جريح، بينهم حالات خطيرة. طالت الأضرار بنية تحتية حساسة كالمستشفيات والمدارس، وأُجبر نحو 165 ألف مدني على النزوح المؤقت من الأحياء الشمالية والغربية للمدينة، فيما تمّ تعليق الدوام الرسمي في المؤسسات الحكومية والجامعات.

أمام هذا التصعيد، أطلق الجيش السوري حملة عسكرية مضادة في 8 كانون الثاني، مستهدفاً حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث كانت تُدار الهجمات. خلال 4 أيام من الاشتباكات العنيفة، فرض الجيش سيطرته الكاملة على المنطقتين، وأفادت مصادر رسمية أن العشرات من عناصر قسد سلّموا أنفسهم داخل مستشفى ياسين بعد محاصرتهم. نُقل هؤلاء بموجب اتفاق آمن إلى مدينة الطبقة في ريف الرقة عبر حافلات خاصة، في عملية تمت بإشراف وزارات الداخلية والدفاع..

إلا أن التصعيد من ناحية نوع السلاح المستخدم وأثره بلغ ذروته في صباح العاشر من كانون الثاني وبعد فرض قوات الجيش السود سيطرتها على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حين نفذت قسد هجوماً بطائرة مسيّرة انتحارية على مبنى محافظة حلب، المعروف بالقصر البلدي، أثناء انعقاد مؤتمر صحفي ضم شخصيات حكومية رفيعة. أصابت الطائرة سطح المبنى وأحدثت أضراراً جسيمة في بنيته، ما أدى إلى اندلاع حريق تطلّب إخلاء المبنى بشكل فوري. ورغم أنّ الهجوم لم يسفر عن خسائر بشرية، حمل توقيته ومكانه دلالات رمزية واضحة، عكست نية قسد توجيه رسالة إلى الحكومة مفادها أنّ العمق الإداري للمدينة لم يعد بمأمن.

لم تمضِ ساعات حتى سُجّل هجوم آخر استهدف مبنى تابعاً للأمن العام في حيّ حلب الجديدة، تلاه انفجار ثالث في حيّ الفرقان، وهجوم إضافي على محيط مسجد حذيفة في حيّ بستان القصر. هذه السلسلة من الهجمات التي استُخدمت فيها على ما يبدو أكثر من 10 طائرات مسيّرة خلال فترة لا تتجاوز الساعات، عكست مستوى غير مسبوق من التنسيق التقني والعملياتي لدى قسد، والتي نجحت في إطلاق طائراتها من مناطق متفرقة من ريف حلب الشرقي، وفق تقديرات عسكرية.

تشير مصادر ميدانية إلى أنّ المسيّرات التي استخدمتها قسد تنتمي إلى فئة الدرونات الانتحارية المصنّعة محلياً أو المعدّلة من نماذج تجارية، وقد تكون مستوحاة من نماذج إيرانية استخدمت في سوريا، العراق، واليمن. يبلغ مدى هذه المسيّرات عشرات الكيلومترات، وهي مجهّزة بأنظمة توجيه شبه دقيقة باستخدام إحداثيات محدّدة مسبقاً، ما يمنحها القدرة على ضرب أهداف حضرية معقدة. بعض التحليلات الاستخباراتية أشارت إلى أنّ الطائرات انطلقت من مناطق في ريف حلب الشرقي، مثل دير حافر ومسكنة، ما يمنحها قدرة اختراق جوية تصل إلى قلب المدينة.

في المقابل، باشرت وحدات الهندسة العسكرية بعمليات تمشيط شاملة للعثور على الأنفاق ومخابئ الطائرات المسيّرة. كما نفّذ سلاح الجو ضربات دقيقة على مواقع لإطلاق المسيّرات في الريف الشرقي، ما أدى إلى تدمير آليات ومعدات لوجستية قالت الحكومة إنّها كانت تُستخدم لتخزين وإطلاق الدرونات. ترافقت هذه العمليات مع إجراءات تقنية جديدة تمثّلت في تعزيز منظومات الرصد الإلكتروني في أجواء المدينة، وتفعيل نقاط اعتراض للطائرات الصغيرة.

تحمل هذه الأحداث دلالات استراتيجية مهمة. أولاً، أظهرت قسد قدرتها على استخدام سلاح منخفض التكلفة عالي الفاعلية في إرباك منظومات الدولة، من خلال إدخال المسيّرات إلى العمق الحضري. ثانياً، عكست العمليات الحكومية مرونة عالية في الاستجابة السريعة والرد الميداني، بما في ذلك استعادة السيطرة الكاملة على مناطق الهجوم وتحييد القدرات اللوجستية للخصم.

ثالثاً، كشفت الهجمات هشاشة نسبية في المنظومة الأمنية الخاصة بحماية المراكز السيادية في المدن الكبرى، وهو ما سيدفع مستقبلاً إلى الاستثمار في الدفاع الجوي القصير المدى وأنظمة مضادة للمسيّرات. رابعاً، أعادت المواجهة التأكيد على أنّ أيّ فاعل مسلح لا يعمل ضمن هيكل الدولة لن يُسمح له بالبقاء في الحيز الحضري، ما يشير إلى أنّ المرحلة القادمة قد تشهد تسويات قسرية في مناطق أخرى مثل تل رفعت ومنبج.

ختاماً، تمثل أحداث حلب في كانون الثاني/يناير 2026 نموذجاً مصغراً لشكل النزاعات القادمة في سوريا والمنطقة، حيث باتت الدرونات الانتحارية أداة متاحة وغير مكلفة، قادرة على تغيير توازنات القوة وفرض معادلات جديدة. غير أنّ الدولة السورية، رغم ما واجهته من تحديات، أثبتت قدرتها على استيعاب الصدمة وفرض الاستقرار من جديد. وبذلك، تظلّ المواجهة بين الدولة المركزية وقسد مرشحة لمزيد من التوترات، ما لم تُبذل جهود حقيقية لإعادة دمج القوى المسلحة في المشروع الوطني، وفق صيغة تحفظ السيادة وتمنع تكرار سيناريوهات العنف المسلح داخل المدن.

شارك

مقالات ذات صلة