مدونات
أنس حوى
انتهت قبل أيام المهلة الزمنية المحددة ضمن اتفاق 10 آذار الموقّع بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، دون الإعلان عن نتائج واضحة أو خطوات تنفيذية ملموسة، رغم جولات تفاوض طويلة، كان آخرها المباحثات التي جرت مطلع يناير/ كانون الثاني 2026.
يأتي اتفاق 10 آذار في سياق معقّد تراكمت فيه سنوات من الصراع المفتوح والتفاهمات المؤقتة شمال شرقي سوريا، حيث تشكّلت “قسد” كقوة أمر واقع بدعمٍ دولي مباشر، مستفيدة من فراغات السلطة والحرب على تنظيم “داعش”. وعقب سقوط النظام السابق، وتوقيع اتفاق 10 آذار، جرت محاولات متعدّدة بضغوطٍ أمريكية وتركية لإنفاذ الاتفاق، إلا أنّها بقيت محكومة بسياسة المماطلة وكسب الوقت من قبل “قسد”، ما جعل الاتفاق شكلياً وعرضة للفشل عند أول اختبار جدي للتنفيذ.
حتى الآن، لا تبدو المؤشرات إيجابية. إذ ما تزال “قسد” متمسكة بحزمة مطالب تتجاوز معظمها إطار الحقوق المشروعة للمواطنين الأكراد، وتتجه مطالبها عملياً نحو تكريس كيان سياسي عسكري موازٍ للدولة.
من جهتها، تطرح “قسد” مطالبها بوصفها “ضمانات وجودية” لا تهدف -بحسب خطابها- إلى الانفصال أو تقويض وحدة الدولة، بل إلى حماية خصوصية المناطق التي تسيطر عليها، ومنع تكرار ما تصفه بتجارب الإقصاء السابقة، وضمان مشاركة فعلية في القرارين الأمني والإداري.
غير أنّ هذا الطرح، عند ترجمته عملياً، يصطدم بمشكلاتٍ جوهرية تتعلّق بطبيعة الدولة، وحدود الشراكة، والخطّ الفاصل بين اللامركزية الإدارية وتكريس أمر واقع سياسي عسكري مستقل، إضافةً إلى سياسات “قسد” القائمة أصلاً على الإقصاء والتفرد في الحكم في مناطق متنوعة التركيبة السكانية.
ويظهر ذلك بوضوح من خلال إصرارها على:
من الناحية الدستورية والقانونية، أيّ صيغة تُبقي على بنى مسلحة خارج الإطار المركزي للدولة، أو تمنح صلاحيات سيادية لإداراتٍ محلية على الموارد والمعابر، تتجاوز مفهوم اللامركزية المعمول به في الدول الموحدة، وتقارب نماذج حكم ذاتي غير منصوص عليها دستورياً، وهو ما يفتح الباب أمام سوابق يصعب احتواؤها لاحقاً.
هذه المطالب لا يمكن فصلها عن تجارب سابقة في المنطقة، حيث قاد منطق “الدولة داخل الدولة” أو “الجيش داخل الجيش” إلى تفكيك الدول وزرع أزمات طويلة الأمد، كما شهدنا في العراق ولبنان والسودان وغيرها.
تدرك دمشق جيداً طبيعة هذه المطالب ومآلاتها المحتملة. ورغم انتهاء المهلة الزمنية، ما تزال متمسكة بالخيار السياسي حتى اللحظة الأخيرة، انطلاقاً من حساباتٍ داخلية وإقليمية ودولية، ورغبة في استنفاد المسار التفاوضي قبل الانتقال إلى أيّ خيارات أخرى.
وفي هذا السياق، تتبلور مطالب دمشق في تنفيذ اتفاق 10 آذار وفق البنود الموقعة، مع بعض المرونة في تفاصيل ثانوية، لكنّها أبقت على خطوط حمراء لا يمكن التفاوض عليها، وأصرت على:
لم يستند مسار التفاوض في اتفاق 10 آذار إلى التفاعلات الداخلية وحدها، بل تأثر مباشرة بتوازنات إقليمية ودولية متحركة، في مقدمتها الدور الأمريكي في شرق الفرات، والحسابات التركية المرتبطة بالأمن القومي، فضلاً عن المقاربة الروسية التي توازن بين تثبيت سلطة الدولة السورية ومنع انفجار جبهة جديدة. هذا التداخل جعل أيّ تقدمٍ أو تعثر في الاتفاق مرتبطاً بعوامل تتجاوز الإرادة المحلية للطرفين.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مسار الاتفاق عن بيئته الإقليمية والدولية، إذ يتقاطع مع مصالح متشابكة لقوى فاعلة في الملف السوري. فالوجود الأمريكي يمنح “قسد” هامش مناورة إضافياً، ويجعل الاتفاق جزءاً من سياسة إدارة الصراع أكثر من كونه تسوية نهائية، فيما تنظر موسكو إليه كأداةٍ لإعادة توحيد الجغرافيا السورية تدريجياً وتقليص النفوذ الأمريكي دون مواجهة مباشرة. في المقابل، تتابع أنقرة الاتفاق بحساسية عالية، خشية تثبيت كيان مسلح انفصالي قرب حدودها. وبذلك، يصبح تنفيذ الاتفاق مرهوناً بتوازنات خارجية بقدر ارتباطه بإرادة الطرفين المحليين، ويظل عرضة للتعطيل أو التفعيل تبعاً لتغير هذه الحسابات.
وفي هذا السياق، قد تتجه التطورات خلال المرحلة المقبلة نحو أحد ثلاثة مسارات محتملة:
وبناءً على المعطيات الحالية، يُرجَّح أن يتقدّم سيناريو فشل المسار السياسي والانزلاق نحو صدام عسكري محدود، يُستخدم أداة ضغط لسحب بعض أوراق القوة من قسد. غير أنّ هذا السيناريو يبقى مشروطاً باستكمال ترتيبات ميدانية وسياسية من شأنها تعزيز موقف دمشق، وهو ما بدأت به فعلياً عبر تأمين الساحل من أيّ تحرك مفاجئ، وتسريع معالجة ملفات الجنوب السوري المرتبطة بتوازناتٍ إقليمية حساسة، ولا سيّما ما يتصل بملف السويداء. وفي المقابل، تعمل قسد على رفع منسوب التصعيد العسكري والإعلامي في محاولة لتسريع أي مواجهة محتملة قبل اكتمال تلك المتطلبات.
وفي جميع الأحوال، يظلّ مستقبل هذا الملفّ مرهوناً بقدرة الأطراف على إدارة توازناتها الداخلية والإقليمية والدولية، ما يجعل أيّ خطوة فيه ذات أثرٍ حاسم على استقرار شمال شرق سوريا ووحدة الدولة.

