سياسة
في لحظةٍ حاسمة من تاريخ سوريا المعاصر، شكّل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 مفترقاً بين عهد ومصير. منذ ذلك اليوم الذي أسقط فيه السوريون النظام الأسدي الذي دام أكثر من 5 عقود، لم تتوقف الأرض تحت أقدام البلاد عن التحوُّل. سقط رمز السلطة، لكن موروثه بقي قائماً، ولم تنهَه آثار سنوات طويلة من الاستبداد والنهب والفساد التي تركها في الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات.
تفترض أدوات العدالة الانتقالية، كإطارٍ للمصالحة والبناء، وجود مقاربة واضحة وشاملة لمحاسبة مجرمي الماضي، وتقديم تعويضات للضحايا، وإعادة بناء مؤسسات قضائية تضمن حياد القانون. لكن الواقع السوري اليوم، رغم إسقاط النظام، يكشف عن فرزٍ جديد للثورة، يظهر طبقات متباينة داخل المجتمع نفسه؛ بين من يدافع عن العدالة بكلمة، ومن يتعامل معها كأداة تفاوض سياسي. فالعدالة الانتقالية ليست مجرّد بندٍ على الورق أو شعار يُرفع في مؤتمر، بل هي اختبار عملي لمسار الثورة بأكمله، ولقدرتها على التحوُّل من صرخة احتجاج ضدّ القهر إلى مشروع دولة حقيقية.
قبل الثورة، كان الاقتصاد السوري يعيش مرحلة طويلة من الاحتكار والتسيّب، حيث تداخلت مصالح رجال الأعمال مع السلطة الحاكمة، وبرزت شبكات فساد لم تقتصر على الداخل فحسب، بل امتدت عبر الحدود أيضاً. وفي قلب هذه المنظومة، برز محمد حمشو بوصفه أحد أكثر رجال الأعمال التصاقاً ببنية النظام السوري، وأحد الوجوه التي جسّدت التحالف بين المال والسلطة في مرحلته الأكثر دموية في تاريخ سوريا.
شملته عقوبات دولية سابقة ضمن قائمة رجال الأعمال الداعمين للنظام السوري، في إطار مساعٍ لمعاقبة النظام وحلفائه اقتصادياً ودبلوماسياً بسبب دعمهم المباشر لأعمال القمع وانتهاكات حقوق الإنسان. ولم يقتصر حضور حمشو على الجانب الاقتصادي فحسب، بل ارتبط اسمه بمرحلة قمع الثورة وتهجير المدن بعد تدميرها، وهي مرحلة لم تُمحَ بعد من ذاكرة السوريين، الذين ظلّوا متشبثين بما شهدوه، صامدين أمام آلة القتل والدمار. فقد سيطر حمشو على سوق الحديد والخردة مستفيداً من ركام المنازل المدمّرة في الغوطة وداريا وحي جوبر، لكن رغم كلّ ذلك، بقيت صور الدمار وذكريات النكبات محفورة في الذاكرة الجماعية للشعب السوري، شاهدة على صموده وقدرته على عدم نسيان ما حلّ به.
وبعد سقوط النظام، بدأت مراحل تأهيل محمد حمشو تتجلّى من خلال إعادة تعويم ابنيه عمر وأحمد، اللذين أصبحا من أكثر الشخصيات حضوراً في الفعاليات العامة، سواء عبر التبرعات أو الظهور الإعلامي المتكرر. فقد شوهد الولدان مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، الذي كرّمهما بعد فوزهما بالمركزين الأول والثاني في افتتاحية “بطولة التحرير” برعاية وزارة الشباب والرياضة، في ظهور يعيد للسوريين صورة مألوفة من البطولات التي لا تُمنح إلا لأبناء النفوذ والسلطة، وليس للجهد أو الكفاءة.
لم يكن هذا الظهور الأول لهما في المشهد العام، وتأتي مشاركاتهما المتكررة ضمن محاولة مدروسة لتهيئة المزاج العام لظهور محمد حمشو كرجل أعمال داعم للمرحلة الجديدة، والتي توجت لاحقاً بتوقيع اتفاق رسمي مع الحكومة، أعقبه بيان على صفحته الشخصية، في خطوة بدت لكثيرين إعلاناً صريحاً لإعادة تعويمه سياسياً واقتصادياً، دون مساءلة عن دوره السابق أو عن الثمن الذي دفعه السوريون وبيوتهم المهدمة.
في الواقع، لم يكن حمشو استثناءً في منظومةٍ اقتصادية كاملة تشكّلت قبل الثورة، لكنّه كان الأسرع والأوضح في إعادة إقحامه وولديه في المشهد العام بعد سقوط النظام، حيث أصبح ظهورهم علامة فارقة في الفعاليات العامة والمبادرات الرسمية، من التبرعات إلى البطولات الرمزية التي لا تُمنح إلا لمن يمتلك النفوذ. وفي المقابل، أدى عدد من رجال الأعمال المقرّبين من النظام السابق دوراً محورياً في حماية مصالحه وضمان استمرار نظامه السياسي والاقتصادي رغم العقوبات الدولية، من خلال دعم مليشيات موالية لقمع الثورة وتمكينه من السيطرة على مناطق واسعة.
ومن أبرز هؤلاء رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السابق، الذي بنى خلال سنوات حكم النظام الأسدي إمبراطورية اقتصادية واسعة شملت قطاعات الاتصالات والعقارات والنفط والتعليم والإعلام، مستفيداً من موقعه داخل الدائرة الضيقة للسلطة وتورّطه في ممارسات مالية مشبوهة شملت نقل أصول إلى الخارج واستخدام شبكة شركات لغسل الأموال. كما برز سامر الفوز، رجل الأعمال المرتبط بالنظام، الذي أسس مليشيا في اللاذقية شاركت في القتال في مناطق مختلفة، واستفاد من صفقاتٍ اقتصادية مشبوهة عزّزت موقعه داخل شبكة المصالح المرتبطة بالسلطة. إضافة إلى ذلك، أدى حسام وبراء القاطرجي دوراً محورياً في الوساطة بين النظام وكل من تنظيم “داعش” و”وحدات الحماية الكردية” لتأمين مرور القمح والنفط، إلى جانب تورطهما في ممارسات تبييض أموال لصالح النظام السابق.
بناءً على ما سبق، لم تكن هذه الشخصيات مجرّد أسماء في دفتر اقتصادي قديم، بل كانت جزءاً من آلية الهيمنة الاقتصادية التي دعمت النظام السوري في قمع الثورة، وأسهمت في إطالة أمدها على مدى 14 عاماً، وما رافق ذلك من ارتفاع أعداد الشهداء والمهجّرين والمعتقلين والمغيّبين قسراً. وفي المقابل، خلّفت هذه الآلية إرثاً من الفقر واللامساواة، وأضعفت الطبقة الوسطى، وكرّست هشاشة الاقتصاد السوري بعد الثورة.
ومع سقوط النظام، لم تنتهِ قصة هؤلاء الفاعلين، أو على الأقل لم يتم تحييدهم في المرحلة الانتقالية، بل جرى إقحامهم مجدداً في المشهد العام عبر تسويات مالية واقتصادية، ما أثار تساؤلات واسعة لدى السوريين، ولا سيّما ذوي الضحايا، حول أولويات الحكومة الجديدة: هل تعني العدالة الانتقالية محاسبة من نهبوا الاقتصاد وموّلوا القمع، أم إعادة إدماجهم سريعاً تحت عنوان “الاستقرار الاقتصادي”؟
وفي هذا الإطار، قال رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع إنّ التسويات التي تُنجز مع عددٍ من رجال الأعمال، من بينهم محمد حمشو، تأتي في إطار مبادرة الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، بهدف استرداد الأموال العامة. وأضاف أنّ باب التسوية الاقتصادية سيظل مفتوحاً لمدة 6 أشهر فقط، اعتباراً من بداية العام الجاري، أمام كل من يرغب في معالجة أوضاعه المالية، والإسهام في طي صفحة الماضي والانخراط في مرحلة جديدة قائمة على الشفافية. وأكد أنه بعد انقضاء هذه المهلة، ستُتخذ إجراءات قانونية احترازية تطال الثروات والأصول الخاصة بكل من تهرّب من هذا الاستحقاق.
ويأتي هذا الإعلان في وقتٍ يثير جدلاً واسعاً حول حدود التوازن بين العدالة الانتقالية والاستقرار الاقتصادي، ولا سيّما مع إدراج أسماء رجال أعمال متورطين سابقاً في دعم النظام في حربه ضدّ السوريين. ويكشف الواقع أنّ الحكومة السورية الجديدة، في مواجهة هذا التحدي، فضّلت الموازنة لصالح إعادة تدوير رؤوس أموال اختلطت بالدم السوري تحت عناوين التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، على حساب محاسبة من نهبوا الاقتصاد وموّلوا القمع، وردّ الحقوق إلى أصحابها. وهو ما يضع العدالة الانتقالية في مفاضلة مزيفة بين مصالح الاستثمار وبين تحقيق العدالة الحقيقية للشعب السوري، ويكشف حجم الانحراف عن وعد الإصلاح والشفافية الذي أُعلن عند بداية المرحلة الانتقالية.
العدالة الانتقالية، بوصفها بوابة لعصر جديد، أصبحت ضرورة ملحّة لطي صفحة ماضٍ مظلم، لكن ليس من خلال التسويات فحسب، بل عبر إعادة الحقوق إلى أصحابها وفتح الطريق للبناء والمصالحة الوطنية. ورغم أنّ الرئيس للمرحلة الانتقالية، السيد أحمد الشرع، وضع العدالة الانتقالية ضمن أولويات حكومته، يبقى طريق تحقيقها غامضاً بالنسبة لمعظم السوريين.
في صميم هذا الغموض، يظهر تناقض صارخ بين ما يُعلن على الورق وما يحدث على الأرض: هناك إجراءات قانونية غير واضحة تجاه كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين في جيش النظام أو المليشيات التابعة له، بينما تُساهل أو تُبرم تسويات مع شخصيات متهمة بالفساد أو بارتكاب جرائم. وقد أثار هذا غضباً واسعاً لدى أسر الضحايا وقطاعات من المجتمع المدني، التي فوجئت ليس فقط بالإفراج عن بعض هؤلاء، بل بإقحامهم مجدّداً في المشهد العام أو منحهم شروطاً مخفّفة. وفي الوقت نفسه، تعرّض القضاء السوري للشلل أو التسييس، دون أن تواكبه عملية إعادة بناء حقيقية، ما يطرح سؤالاً محقاً: هل العدالة الانتقالية محكمة للتاريخ والضمير، أم مجرّد أداةٍ للتسويات السياسية؟
ويبرز في هذا السياق مثال نواف راغب البشير، قائد لواء الباقر وهو مليشيا إيرانية عُرفت بارتكاب عمليات قتل وتعذيب، والذي ظهر بفيديو ينفي اعتقاله وكأنّه صاحب حقّ. وبالمثل، تمّ الإفراج عن مدلول العزيز، عضو مجلس الشعب في النظام السابق والمتهم بتشكيل مليشيا مدعومة من إيران، ما يعكس استمرار التناقض بين المبادئ المعلنة للعدالة الانتقالية وما يحدث فعلياً على الأرض.
أدّى سقوط النظام إلى فرز طبقات جديدة داخل الثورة السورية نفسها. قبل السقوط، كانت الثورة مزيجاً من نشطاء مدنيين على اختلاف مشاربهم، متحدين جميعاً بهدفٍ واحد هو إسقاط النظام. لكن بعد سقوطه، ما لبثت هذه الوحدة أن تفككت، وبرزت طبقات متباينة داخل المشهد نفسه، بطريقةٍ مغايرة تعكس اختلاف المواقف والمصالح في مرحلة ما بعد الثورة.
انتقل جزءٌ من الناشطين الثوريين إلى مواقع قريبة من الحكومة، أو أصبحوا جزءاً من محيطها، سواء بشكلٍ رسمي أو بصفتهم شخصيات مقرّبة. ومع هذا التحوُّل، تبنّى بعض هؤلاء مقاربة الحكومة الجديدة التي تركز على حفظ الاستقرار، لضمان جذب الاستثمارات، بما في ذلك التسويات مع رجال أعمال لهم سجلات مشبوهة وارتباطات بالنظام السابق، على حساب ملف العدالة الانتقالية. ولم يقتصر هذا التحوُّل على الصمت تجاه هذه السياسات، بل بلغ أحياناً تقديم مبررات لها والدفاع عن سياساتها بشكلٍ متطرف أمام أيّ انتقاد موجه للحكومة.
في المقابل، بقي جزء آخر من الفاعلين المحليين في إطار المجتمع المدني، يرون أنفسهم مسؤولين عن استكمال الاستحقاق الثوري، ويطالبون بمساءلةٍ حقيقية ومحاسبة شاملة دون تمييز. وينطلق هؤلاء من قناعة مفادها أنّ أيّ تسوية مع الفساد القديم لا تمثّل طيّاً لصفحة الماضي، بل إعادة إنتاج لمعاناة الظلم بصيغٍٍ جديدة.
وفي هذا السياق، يبرز غياب ملحوظ لمواقف أو أسماء ناشطين، بينهم شخصيات بارزة في مسار الثورة السورية، حتى في حدود التعبير عن الامتعاض الأخلاقي تجاه إعادة تعويم تجار الدم الذين دعموا النظام السابق. ويعكس هذا الصمت، في أحد أبعاده، حجم التحوّل الذي أصاب الخطاب الثوري ذاته، وانتقاله من موقع المحاسبة إلى موقع التكيّف مع موازين القوة الجديدة.
تظهر لدى السلطة الجديدة حالة من الاستعجال لجذب الاستثمارات، ما يضع أحياناً العدالة الانتقالية في خانة المساومة. وتشير تصريحات حكومية، بعد رفع العقوبات الأمريكية، إلى أن الاقتصاد السوري يحتاج سنوات لإعادة تأهيله قبل العودة إلى النظام المالي العالمي، وهو ما يُستخدم لتبرير بعض التسويات والاعتماد على رجال أعمال وشخصيات جدلية من مخلفات النظام السابق. وبذلك، تكمن المخاطر الجوهرية في أنّ هذه المقاربة قد تُضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، وتجعل العدالة الانتقالية وعداً بلا تنفيذ، مع احتمال إعادة إنتاج اللامساواة والظلم الذي عانى منه السوريون لعقود.
ختاماً، يظهر هذا الفرز الجديد للثورة السورية كاختبارٍ حقيقي للقيم التي قامت من أجلها الثورة. فالعدالة الانتقالية ليست رفاهية فكرية، بل هي أساس لبناء دولة تُحترم فيها حقوق الإنسان، وتُسوى فيها حسابات من أذنب بحقّ الشعب، بغض النظر عن وظيفته أو نفوذه. وما يثير القلق اليوم في وجدان السوريين ليس فقط من سيصل إلى السلطة، بل كيف يمكن لمن فقدوا أحباءهم، ومن شُردوا من بيوتهم وسكنوا الخيام، ومن عاشوا تحت قهر النظام القديم أن يشعروا بالإنصاف، في حين تُعيد الحكومة إدماج أشخاص تورطت أموالهم بدمائهم تحت شعارات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. هذه التسويات، التي تُعطي الضوء الأخضر لإعادة تدوير ثروات اختلطت بالدم السوري، تترك ندوباً نفسية عميقة في المجتمع، وتزرع شعوراً بالغضب والخذلان، فتجعل وجدان السوريين شاهداً على فشل العدالة في استرداد الحقوق وردّ الاعتبار للضحايا. والإجابة على هذا السؤال ستحدّد ما إذا كانت سوريا المقبلة ستنهض على الضوء الذي ناضل السوريون من أجله، أم أنّها ستظل عالقة في ظلال الماضي الذي لم يغادرنا بعد.