آراء
الضربة العسكرية للدور الإماراتي في اليمن والبيان السعودي صفعتا الإمارات على حين غرة، بعد اتهاماتٍ استهجنتها الأخيرة حرفيًّا، بالضغط وتوجيه المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي لها، منذ أكثر من عشر سنوات بالقيام بعملٍ عسكري يستهدف فصل الجنوب اليمني، وإعادة إحياء دولة مستقلة في عدن. هذه المواجهة بين الدولتين الخليجيتين درسٌ جليٌّ لمصر في وجوب كيفية التعامل مع تهديدات الإمارات لمصالحها في ليبيا والسودان في آنٍ معا. مباغتة السعودية للإمارات باتهام مباشر بتأجيج الصراع في اليمن، دفع الإمارات إلى الزاوية لتعيد تصدير سردية محلولة عن نزاعاتها إلى الواجهة، ربما لاستدعاء مخاوف لاعبين إقليميين آخرين في رسالة غير مباشرة -من بينهم مصر- إذ تحدّثت في بيانها عن ”تضحياتها في سنوات التحالف الذي تقوده السعودية لمواجهة القاعدة والحوثيين والإخوان المسلمين“.
الثابت أنّ مجلس التعاون بالوساطة القطرية دائمًا ما يعود إلى قواعده سالمًا. لكن الدرس الأهم في رأيي يلزم أن تستخلصه مصر؛ التي يُفترض ألا تلزمها دروسٌ. لا أقول إنّ مصر مطالبة بتقليد السعودية حرفيًّا، فالفروق في الوزن الاقتصادي، والامتداد الجغرافي، وخرائط التحالفات الدولية تجعل النسخ واللصق في التوقيت الآني معادلة للفشل للأسف. الدرس فعلًا هو أن تعود مصر لحجمها ومكانتها، وأن تستعيد مدرستها الدبلوماسية في كيفية إدارة لحظة الاصطدام هذه داخل مجلس التعاون، حين تتعارض المصالح، ويتحوّل الشريك إلى منافسٍ يعمل على تقليص نفوذ شريكه التقليدي.
السعودية قدّمت نموذجًا في إدارة الرسالة قبل إدارة العملية العسكرية. ما فعلته بموضوعية هو نقل الخلاف من منطقة الإدارة الدبلوماسية إلى منطقة الإعلان المنضبط؛ اتهامٌ محدّد، ثمّ ربط مباشر بالأمن القومي والحدود، ثمّ فعل ميداني وأمني يفرض كلفة، ثمّ بيانٌ يثبّت السردية. هذه ليست ردة فعل انفعالية لدولة كبيرة إقليميًّا، بل هندسة ردع قضت تحديد الخطّ الأحمر، والإعلان عنه، ثمّ إثبات الجدّية.
وهنا أعني الدرس لمصر في ليبيا والسودان. في الملفين، تبدو الإمارات لاعبًا يسعى لتشكيل مخرجات الصراع بما يضمن له نفوذا طويل الأمد. في ليبيا عبر الاقتصاد وإدارة الميليشيات في شرق البلاد، وفي السودان عبر إدارة قوات الدعم السريع المرتزقة والاستثمار السياسي في تعددية مراكز القوى، ما يجعل الخرطوم ساحة مفتوحة على احتمالات التقسيم الواقعي أو الدولة الضعيفة القابلة للابتزاز. مصر هنا ليست مراقبًا محايدًا. هي دولة حدود ومياه وأمن قومي، وأيّ تغيير في توازنات ليبيا أو السودان يهدّد أمنها مباشرة، بلا مواربة.
الخطأ هنا من جانب مصر، هو التعامل مع تهديدات الإمارات بمنطق التمنّي؛ أن تعود عن إتيان التهديد، أن تتدخل الوساطة، أن تسويها القنوات الخلفية. الوساطة مفيدة نعم.؛ لكنّها تصبح خطرة عندما تتحوّل إلى بديلٍ عن الردع. ما نحتاجه هو معادلة مزدوجة، بمعنى باب مفتوح للتسوية، وأوراق ضغط واضحة تجعل التسوية خيارًا عقلانيًّا للطرف الآخر، لا مجاملة مجانية.
بداية ينبغي أن تعمل مصر على امتلاك سردية مصرية صلبة تُعرّف المصالح والأخطار بألفاظ قانونية وسياسية لا شعاراتية. في ليبيا مثلًا أظنّ أنّ الأمن الحدودي، ومكافحة تهريب السلاح، ومنع تحويل الشرق الليبي إلى قاعدةٍ اقتصادية / أمنية مستقلة تُدار من الخارج، وضمان مسار سياسي يمنع تفكيك الدولة بداية الحل لمصر. وفي السودان أظنّ أنّ أمن الحدود، ومنع تمدد الفوضى إلى العمق المصري، والحفاظ على دولة سودانية موحدة قابلة للحكم، والحد من اقتصاد الحرب الذي يُنتج موجات لجوء وسلاح وتهريب، مفاتيح أمان مصر في الجنوب الشقيق الملاصق.
من ثمّ تتمكن مصر من توحيد أدوات الدولة حول هدفٍ واحد. كثيرا ما تُدار الملفات عندنا كجُزرٍ منفصلة: الدبلوماسية في اتجاه، والإعلام في اتجاه، والاقتصاد في اتجاه، والأمن في اتجاه. الردع لا يعمل بهذه الطريقة. السعودية حين تصعّد، تصعّد كجسدٍ واحد؛ خطاب وقرار وإجراء ورسالة. ومصر تستطيع إذا أرادت أن تصيغ منظومة ضغط لا تعني الحرب، بل تعني الكلفة؛ كلفة سياسية في الإقليم، كلفة دبلوماسية في العواصم المؤثرة، كلفة اقتصادية في ملفاتٍ بعينها، وكلفة سمعة لا تمرّ بالإضرار بمصر دون أن حساب.
إحدى نقاط قوة الإمارات أنّها تستثمر في الغموض الإيجابي؛ مشاريع اقتصادية، وساطة، حضور ناعم، ثمّ نفوذ صلب تحت الطاولة. مواجهة ذلك لا تكون إلا بدبلوماسية واضحة واتحاد بين الأجهزة في استراتيجية متماسكة، تبدأ في رأيي بأسئلةٍ من نوع ماذا يُهدّد أمن مصر في ليبيا؟ من المستفيد من اقتصاد الميليشيات؟ كيف يُعاد تدوير الحرب في السودان عبر المال والسلاح؟ الكشف لا يعني فضيحة إعلامية عشوائية، بل بناء ملفّ دولة يُستخدم في التوقيت الصحيح، ويُسند تفاوضيًّا، ويُرسّخ خطوطًا حمراء.
الردع المصري ينبغي أن يبحث عن بناء شبكة توازنات بديلة. أيّ دولةً تربط أمنها القومي بجيب دولة أخرى، ستصحو يوما على فاتورة غير متوقعة، وهذا ما يحدث الآن بكامل الحزن. مصر تحتاج في ليبيا والسودان إلى توسيع هامش المناورة؛ بمعنى تنسيق أعمق مع الجزائر وتونس في ملف ليبيا، وتعميق الشراكات مع القوى الأفريقية والعربية المؤثرة في السودان، وللأمانة، توجه الخارجية المصرية الآن أفضل في التعامل مع العمق الأفريقي في العامين الأخيرين.
بذلك تتمكن مصر من رفع كلفة التدخلات. مصر تستطيع أن تجعل كلفة العبث في ليبيا والسودان أعلى، عبر دفع مسارات أممية أكثر صرامة في مراقبة السلاح والتمويل، ودعم آليات مساءلة اقتصادية عن شبكات الذهب والتهريب، وتشجيع مسارات سلام تُضعف اقتصاد الحرب في البلدين.
من المنصف جدًّا أن نقول إنّ السعودية تستطيع ما قد لا تستطيع مصر حالياً. منصفٌ جزئيًّا. أقول جزئيًّا لأنّ الردع لا يكتمل فقط بالاستقلال الاقتصادي. مصر تملك أوراقا ضخمة: الجغرافيا، القوة العسكرية، ملف الهجرة، البحر الأحمر، قناة السويس، الشرعية التاريخية في الإقليم، وشبكات علاقات يصعب تعويضها. المشكلة ليست في غياب الأوراق، بل في تكتيك لَعِبِه ثم استراتيجية اللعب خصوصا مع لاعب مُستجد في المنطقة كالإمارات.
في النهاية، لا يجوز لمصر أن تتوقف مصالحها على أمل أن تتصالح دول مجلس التعاون. الدرس السعودي كما أراه، هو أنّه حتى الحلفاء لا يُردعون بالنوايا الحسنة، بل بتحديد المصالح، ورفع الكلفة، وإتقان الرسالة. السياسة ليست نزهة، بل إدارة حسابات المخاطر. ومن يترك مخاطر ليبيا والسودان تتضخم على حدوده، سيُفاجأ يومًا أنّ الفاتورة فادحة.





