سياسة

اتفاق معلّق بلا نية تنفيذ

يناير 6, 2026

اتفاق معلّق بلا نية تنفيذ

منذ توقيع اتفاق العاشر من آذار 2025 في دمشق بين قائد مليشيا قسد مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، والذي عقبه فرحة عارمة في الشارع السوري، تعيش الجزيرة السورية حالة معلّقة بين الوعد والفراغ. 9 أشهر كاملة بلا خطاب، بلا توضيح، بلا مسؤول يخرج ليقول للسوريين ما الذي يجري. صمتٌ ثقيل لا يمكن تفسيره إلا كرسالة: أنتم خارج الحساب. فيما طغى شعور عام باللا احترام لدى أبناء الجزيرة السورية، ومهجّريها، ولاجئيها، وكأنّ الاتفاق وُقّع ليدرج في دفتر إنجازات الحكومة وسباق الترند السوري.

حيث إنّ اتفاق العاشر من آذار لم يعد وثيقة سياسية، بل مرآة فاضحة لانهيار الجدية عند جميع الأطراف. لا لأنّه فشل فقط، بل لأنّ أحداً لا يجرؤ على قول الحقيقة. “قسد” تماطل وتكذب بوعيٍ كامل، والحكومة تتخبّط وتغيب الحقيقة عن المجتمع السوري، والجزيرة تُترك مرة أخرى كمساحة تجارب ورهائن.

وكعادتها قسد، تكذب في كلّ ما يجري منذ بداية تأسيسها، وتُماطل ليس لأنّها مرتبكة، بل لأنّها مستفيدة.  فالمماطلة هنا ليست عجزاً بل سياسة. توقّع ثمّ تنكص، تعِد ثمّ تفرغ الاتفاق من مضمونه، وتسوّق رواية إعلامية عن “تقدم” وهمي، بينما الواقع ثابت: لا تفكيك لبنيتها العسكرية، لا إنهاء لاحتكار القرار، لا تمثيل حقيقي للمجتمع، ولا استعداد للتخلي عن دورها الوظيفي. الكذب هنا ليس تفصيلاً، بل أداة. كلّ تصريح يُستخدم لشراء الوقت، بانتظار تبدّل موازين إقليمية، أو ضوء أخضر جديد، أو راعٍ إضافي.

أمّا الحكومة السورية، فمشكلتها ليست فقط في ضعف الفعل، بل في غياب الرواية. دولة تُوقّع اتفاقاً مصيرياً ثمّ تصمت. لا توضيح لبنوده، لا شرح لتعثره، لا خطاب موجه لأهل الرقة ودير الزور والحسكة، ولا حتى اعتراف بوجود أزمة. هذا الغياب لا يخلق فراغاً فقط، بل يخلق شعوراً عاماً بالإهانة. كأنّ الجزيرة خارج “الاهتمام الوطني”، أو ملف ثقيل يُدار على الهامش. هكذا تُغيَّب الحقيقة عن المجتمع السوري، ويُفتح الباب أمام سيل من الشائعات، تتداولها وسائل إعلام وناشطون بوصفها “سبقاً صحفياً”، يرُاقبون تفاعلها ويحصون الإعجابات بروح شعبوية رخيصة، فيما يمتهن آخرون السخرية والنكات. ومع الوقت، لا يبقى من المأساة إلا ضجيجها، بعد أن تُفرَّغ من معناها وتُستنزف كقصةٍ عابرة بلا مسؤولية ولا كلفة.

وعندما ننظر إلى بنود الاتفاق نفسها، يتضح حجم العبث. الحديث عن:

  دمج “قسد” في مؤسسات الدولة.

  إعادة بسط السيادة الإدارية والأمنية.

  إنهاء التشكيلات العسكرية غير النظامية.

  ضمان تمثيل عادل لمكونات المنطقة.

  توحيد القرار العسكري والأمني.

هذه البنود، بصيغتها الحالية، شبه مستحيلة التنفيذ. ليست لأنّها معقّدة فقط، بل لأنّها تتناقض جذرياً مع طبيعة “قسد”، حيث إنّ الاتفاق الموقع يفترض أنّ “قسد” قوة محلية يمكن استيعابها. الواقع أنّها تنظيم عسكري أمني عقائدي، بمرجعية خارجية، وهرمية مغلقة، وولاء يتجاوز الجغرافيا السورية. الدمج هنا يعني عملياً تفكيك بنيتها القيادية، وإنهاء استقلال قرارها، وهذا نقيض وجودها. لا توجد أيّ إشارة، لا قولاً ولا فعلاً، إلى استعدادها لذلك. بالعكس، كلّ سلوكها يؤكد أنّها ترى في الدمج تهديداً وجودياً، لا مساراً سياسياً، سلاحها هو مصدر شرعيتها الوحيد. التخلي عنه يعني الانتحار السياسي والعسكري. لا يوجد حافز داخلي، ولا ضغط خارجي جدي، يدفعها نحو ذلك. الولايات المتحدة نفسها لا تريد نزع هذا السلاح، بل إعادة توظيفه عند الحاجة.

في هذا المشهد، يظهر توم باراك، المبعوث الأمريكي، لا كوسيطٍ سياسي جدي، بل كـ”شيخ عشيرة دولي” يحاول حلّ صراع جيوسياسي بمنطق “تبويس الشوارب”، عبر إدارة شكلية للأزمة، هدفها إبقاؤها تحت السيطرة لا حلها. واشنطن لا تريد حلاً نهائياً، تريد ملفاً مفتوحاً، و”قسد” جزء من هذا الترتيب، والسياسة الأمريكية هنا ليست ارتجالاً ولا ضعف وساطة، بل سلوكاً مجرَّباً ومكرّراً في التاريخ الحديث. 

ما يفعله توم باراك اليوم يشبه تماماً ما فعلته واشنطن في العراق بعد 2003، حين استُبدلت الدولة بنظام “توازن مكونات”، تُدار أزماته باللقاءات الرمزية والاتفاقات الهشّة، بينما تُترك الجذور بلا مساس. ويشبه أيضاً النموذج اللبناني بعد الطائف، حيث حافظت الولايات المتحدة على “الاستقرار” لا عبر حل المليشيات فعلياً، بل عبر تجميد الصراع وإدارته، فبقي السلاح، وبقي الشلل، وبقي الخارج هو الحكم. المثال الأوضح ربما هو أفغانستان، حيث فاوضت واشنطن طالبان باتفاقات شكلية، وتحدّثت عن السلام، بينما كانت تدير انسحابها لا مستقبل البلد، فانتهى “الاتفاق” بانهيار كامل. 

في سوريا، تُعيد الولايات المتحدة إنتاج النموذج نفسه: وسيط بلا ضغط، ومبعوث يتحدّث بلغة المصالحات العشائرية، لأنّ الهدف ليس تفكيك بنية الصراع، بل إبقاءه مضبوطاً، قابلاً للاستخدام، وغير قابل للحسم. واشنطن لا ترى في “قسد” شريكاً وطنياً، بل أداة وظيفية، وكل أداة يجب ألا تُستنزف بحل نهائي. لذلك تُفضّل “تبويس الشوارب” على فرض التزامات، والصور على الجداول الزمنية، والغموض على الحقيقة. هذه ليست وساطة فاشلة، بل سياسة ناجحة جداً فقط لمن صمّمها، لا لمن يعيش تحتها.

الأخطر أنّ “قسد” لا تراهن فقط على الوقت الأمريكي، بل تنتظر تحوّلات أوسع، بما فيها دعم إسرائيلي مباشر أو غير مباشر. الرهان واضح، أيّ تصعيد إقليمي، أيّ مواجهة أوسع، قد يرفع من قيمتها الوظيفية، ويمنحها مظلة إضافية. لذلك تؤجل، وتكذب، وتتصرف وكأنّ الاتفاق مجرّد محطة علاقات عامة.

في المقابل، الحكومة السورية مكبّلة بالخوف. أيّ عملية عسكرية حقيقية تعني احتمال عقوبات إضافية، أو ضربات إسرائيلية، أو توسيع الاشتباك الإقليمي. هذا التخوف مفهوم سياسياً، لكنّه قاتل وطنياً. لأنّه يُترجم إلى شلل، وإلى سياسة “عدم الفعل”، وإلى ترك المجتمع رهينة لقوة أمر واقع تنتهكه يومياً. الخوف هنا لا يحمي الناس، بل يتركهم مكشوفين.

لذلك، فالاتفاق ليس مشروع حل، بل أداة إدارة وقت. “قسد” تستخدمه للتأجيل بانتظار دعم أو تحوّل إقليمي، والحكومة تستخدمه لتجنب المواجهة، والأمريكي يستخدمه لتبريد الصراع، والناس تُترك في المنتصف، بلا حقيقة، بلا أفق، وبلا كرامة سياسية.

ولأنّ هذا الملف معقّد ومُدوّل منذ لحظته الأولى، فالحل ليس وصفة سحرية تُعلن كمبادرة أو اتفاق، يُصفّق له السوريون ويُحتفل به في الساحات، ثم يُترك ليتآكل. الحل يبدأ عبر بيان رسمي واضح يشرح ما تمّ، وما تعثّر، ولماذا، ومن يعرقل. فدون رواية رسمية، ستبقى “قسد” والوسطاء وناشطو الإثارة هم من يكتبون القصة بدلاً عن الدولة.

المطلوب بنود زمنية محددة، وآليات تنفيذ معلنة، وضمانات واضحة. وكلّ ما هو غير قابل للتنفيذ يجب أن يُقال علناً، بلا مواربة. الغموض هنا ليس حكمة سياسية، بل تواطؤ صريح على تضليل الناس. وواشنطن لا تُحرج إلا عندما تُسمّى أفعالها بأسمائها، وعندما تُحمَّل مسؤولية التعطيل علناً، لا عبر همسات دبلوماسية خجولة. الصمت في هذه الحالة ليس حياداً، بل خدمة مجانية لمصالحها.

وأيّ تفاوض يُجرى بينما الاعتقالات والتجنيد القسري مستمران هو مهزلة كاملة. وقف الانتهاكات ليس بنداً قابلاً للأخذ والردّ، بل شرط أخلاقي وسياسي مسبق، ومن دونه يتحوّل كلّ حديث عن الحل إلى مجرّد إدارة باردة للأزمة، على حساب كرامة الناس وحقهم في الحقيقة.

 

شارك

مقالات ذات صلة