مدونات
علي البرغوث
زهران علوش لم يكن مجرّد قائد عسكري في الثورة السورية، بل كان ظاهرةً جمعت بين الفكر السلفي والعمل الميداني، بين الدعوة والبندقية، وبين الحلم بدولةٍ إسلامية والانخراط في واقع دموي معقّد.
من هو زهران علوش؟
ولد محمد زهران علوش عام 1971 في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وهو ابن الشيخ عبد الله علوش، أحد أبرز دعاة التيار السلفي في دمشق. نشأ في بيئةٍ دينية محافظة، وبدأ منذ صغره بحفظ القرآن وتلقي العلوم الشرعية على يد والده ومشايخ بلده. التحق بكلية الشريعة في جامعة دمشق، ثمّ أكمل دراسته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث تتلمذ على يد علماء بارزين مثل ابن باز وعبد الله العقيل.
الاعتقال وبداية التحوّل.
في عام 2009، اعتُقل زهران من قبل النظام السوري بتهمة الانتماء إلى التيار السلفي الجهادي، وأُودع في سجن صيدنايا سيئ السمعة. بقي هناك حتى حزيران 2011 ، حين أُفرج عنه بموجب عفوٍ رئاسي بعد اندلاع الثورة السورية. لم يتردّد لحظةً بعد خروجه، بل انخرط مباشرة في العمل المسلح، مؤسساً سرية الإسلام، التي تطورت لاحقاً إلى لواء الإسلام، ثمّ إلى جيش الإسلام، أحد أكبر الفصائل العسكرية في الغوطة الشرقية.
جيش الإسلام: التنظيم والانضباط.
تحت قيادته، أصبح جيش الإسلام قوةً منظّمة تضم ما بين 15,000 إلى 20,000 مقاتل، معظمهم من أبناء الغوطة. تميّز الفصيل بانضباطه العسكري، واعتماده على هيكلية واضحة، ومؤسسات داخلية تشمل القضاء والإعلام والدعوة. كان زهران يؤمن بأنّ الثورة تحتاج إلى مشروعٍ متكامل، لا مجرّد قتال عشوائي، وكان يسعى لتأسيس “نواة دولة إسلامية” في المناطق المحررة.
خطابه: بين الحزم والجدل.
عُرف زهران بخطابه الحادّ تجاه النظام السوري، لكنّه أثار الجدل أيضاً بمواقفه من الأقليات، وبتصريحاته التي فسّرها البعض على أنّها إقصائية. لاحقاً، حاول تعديل خطابه، وظهر في مقابلاتٍ إعلامية بلغةٍ أكثر توازناً، مؤكّداً أنّ مشروعه لا يستهدف أحداً على أساسٍ طائفي، بل يهدف لإسقاط النظام وبناء دولة تحكمها الشريعة.
الاغتيال: نهاية قائد
في 25 كانون الأول 2015 ، قُتل زهران علوش في غارةٍ جوية روسية استهدفت مقراً سرياً لقيادة جيش الإسلام في منطقة أوتايا بالغوطة الشرقية. كانت الغارة دقيقة، ويُعتقد أنها جاءت بعد تنسيقٍ استخباراتي بين النظام السوري وحلفائه. شكّل اغتياله ضربةً قاسية للفصيل، وأحدث فراغاً قيادياً كبيراً.
الإرث والتقييم
يبقى زهران علوش شخصيّة مثيرةً للجدل في تاريخ الثورة السورية. بالنّسبة للبعض، هو قائد كاريزمي استطاع أن يبني واحدةً من أقوى الفصائل الثورية، وفرض النظام والانضباط في منطقةٍ كانت تعاني من الفوضى. وبالنسبة لآخرين، كان يمثّل تياراً إسلاميًّا متشدّداً لم ينجح في بناء مشروع جامع لكلّ السوريين.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنّ زهران علوش كان نتاجاً طبيعيًّا لمرحلة الانفجار السوري، وأنّه لعب دوراً محورياً في تشكيل ملامح الصراع في الغوطة الشرقية، سواء من خلال حضوره العسكري أو خطابه السياسي والديني.
زهران علوش رحل، لكن اسمه ما يزال حاضراً في ذاكرة الثورة، كأحد أبرز قادتها، وأكثرهم تأثيراً، وجدلاً.




