سياسة

هل تعثّر اتفاق قسد ودمشق أم جرى تعطيله؟

يناير 5, 2026

هل تعثّر اتفاق قسد ودمشق أم جرى تعطيله؟

لم تكن الخيارات الجديدة لتطبيق اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية وقسد جديرةً بالتنفيذ في الأيام الأخيرة، وسط تطورات متسارعة على الساحة السياسية السورية، فرغم الجهود المبذولة لتسهيل تنفيذ الاتفاق القاضي بدمج قوات قسد ضمن بنية الجيش العربي السوري التابع للحكومة في دمشق، باءت المحاولات الأخيرة باءت بالفشل.

ويُعزى تعثّر تنفيذ الاتفاق إلى مماطلة قسد، التي اشترطت في كلّ جولةٍ تفاوضية أن تكون هي وقيادتها مكوّنًا مستقلًا داخل المؤسسة العسكرية، بما يتعارض مع مبدأ الدمج المؤسسي الكامل، ويُبقي على منطق القوة الموازية داخل الدولة.

ويأتي هذا التعثّر في أعقاب معلومات عن اجتماع غير مُعلن جرى مؤخرًا بين الطرفين في محاولة لإعادة تحريك الاتفاق، إلا أنّه انتهى دون نتائج ملموسة، ما أعاد الملف إلى حالة الجمود، وفي ظلّ هذا الواقع، لا يقتصر تأثير التعثّر على المسار السياسي فحسب، بل يمتد إلى مسألة السيادة واحتكار السلاح، في مرحلة يُفترض أن تشهد إنهاءً لازدواج السلطة وبناء دولة واحدة بقرارٍ واحد.

الأمر الذي يفتح الباب أمام سؤال مركزي، هل تريد قسد شراكة كاملة داخل الدولة السورية، أم تسعى إلى تثبيت استثناء دائم يتجاوز منطق الدمج الذي قام عليه اتفاق 10 آذار؟

من اتفاق سياسي إلى أزمة تنفيذ.

لم يكن اتفاق العاشر من آذار بين الحكومة السورية وقسد مجرّد تفاهم سياسي عابر، بل طُرح حينها بوصفه خطوة تأسيسية لمرحلة ما بعد الصراع، تقوم على إنهاء ازدواج السلاح والسلطة، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية الخارجة عن سيطرة الدولة ضمن بنيتها الرسمية، غير أنّ المسار العملي لهذا الاتفاق سرعان ما اصطدم بعقبات تنفيذية، كشفت عن فجوة واضحة بين النصوص الموقّعة والوقائع الميدانية.

رغم عقد اجتماعات متكرّرة، كان آخرها اجتماع غير مُعلن في دمشق بحضور قائد قسد مظلوم عبدي، تؤكد مصادر حكومية أنّ اللقاء انتهى دون نتائج ملموسة من شأنها دفع الاتفاق إلى حيّز التنفيذ، مكتفيًا بالاتفاق على استكمال النقاش في اجتماعاتٍ لاحقة.

 هذا الجمود، الذي تزامن مع تصريحات متباينة من الطرفين، عكس حالة من التعطيل الفعلي، لا يمكن فصلها عن الخلاف الجوهري حول مفهوم “الدمج” ذاته.

فبينما تنطلق الحكومة السورية من مبدأ الدمج المؤسسي الكامل، القائم على حلّ البنى العسكرية المستقلة وإخضاعها لقيادة مركزية واحدة، تصرّ قسد، وفق معطيات التفاوض، على الاحتفاظ بخصوصية قيادية وتنظيمية داخل المؤسسة العسكرية، وهو شرط يتناقض مع جوهر الاتفاق، ويعيد إنتاج نموذج القوة الموازية داخل الدولة، ولو بصيغةٍ قانونية مؤجلة.

ويزداد هذا التعثّر خطورةً حين يُقارب في سياق أمني متوتر، خاصة بعد الاشتباكات التي شهدتها حلب مؤخّرًا، وما رافقها من تبادل للاتهامات بين الطرفين٬ فاستمرار التوتر الميداني بالتوازي مع تعثّر المسار السياسي، يطرح تساؤلات جدية حول مدى الاستعداد للانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق الدولة، حيث لا يمكن لأي اتفاق سياسي أن ينجح ما دام السلاح يُستخدم ورقة ضغط تفاوضية.

 

عن المماطلة ومنطق القوة الموازية

إنّ المماطلة السياسية التي رافقت مسار تنفيذ اتفاق العاشر من آذار لم تكن طارئة أو وليدة اللحظات الأخيرة، بل ظهرت منذ المراحل الأولى للتفاوض، حيث اعتمدت قسد نهج التسويف الدبلوماسي وتأجيل اتخاذ القرارات الحاسمة، مقابل إبقاء الملفات الجوهرية معلّقة تحت ذرائع تقنية أو أمنية، هذا السلوك لم يعكس خلافًا إجرائيًّا بقدر ما عبّر عن تمسّك ببنية عسكرية مستقلة، تقوم على منطق “القوة الموازية” داخل الدولة.

ففي سياق التفاوض، روّجت قسد لامتلاكها قدرات عسكرية متقدّمة، ولعلاقاتها مع التحالف الدولي، بوصف ذلك عناصر قوة تفاوضية تُتيح لها فرض شروط خاصة في عملية الدمج٬ غير أنّ هذا الخطاب، عمليًّا، حوّل الاتفاق من مسار دمج مؤسسي إلى عملية مساومة سياسية، تُستخدم فيها القوة والسلاح ورقة ضغط، بما يتناقض مع جوهر اتفاق 10 آذار القائم على إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة مركزية واحدة ضمن الجيش السوري الجديد.

وبحسب قراءات وتحليلات استراتيجية، فإنّ هذا النوع من الضغط لا يستهدف فقط تعديل آليات التنفيذ، بل يطال جوهر القرار السيادي للدولة السورية، عبر محاولة التأثير على بنيته السياسية والعسكرية في آنٍ واحد.

 وهو مسار يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نموذج الدولة المقيّدة، حيث تتعايش السلطة المركزية مع قوى مسلحة خارجة عن سيطرتها الفعلية، في مشهد شبيه بتجارب إقليمية فشلت فيها الدول بفرض سيادتها الكاملة بسبب نفوذ المليشيات وتداخل القرار العسكري بالسياسي.

وتُضاف إلى ذلك ورقة النفوذ الاقتصادي التي تسيطر عليها قسد بالقوة في مناطق شمال شرقي سوريا، بما تحويه من ثرواتٍ زراعية ونفطية، ما يمنحها هامشًا إضافيًا للمناورة السياسية، ويعقّد مسألة الانتقال من التفاهمات الورقية إلى التنفيذ العملي.

 وفي هذا السياق، لا يبدو تعثّر الاتفاق مجرّد خللٍ تقني، بل نتيجة مباشرة لصراع على مفهوم الدولة وحدود سلطتها في مرحلةٍ يفترض أن تُحسم فيها مسألة احتكار القوة والقرار.

إلى أين يقود التعثّر في التنفيذ؟

يقود تعثّر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، في جوهره، الساحة السورية نحو مرحلة سياسية وأمنية غير مستقرة، مع تضاؤل الخيارات المتاحة للحلول، في ظل الخلافات العميقة حول ملف دمج قسد ضمن بنية الجيش السوري الجديد التابع للحكومة السورية.

استمرار هذا الجمود لا يعني فقط تعطيل اتفاق سياسي، بل يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد عسكري جديد بين الأطراف، خاصة مع تداخل المسارات السياسية بالأمنية، ووجود ضغوط خارجية وتنافس إقليمي على النفوذ.

وفي مرحلةٍ يُفترض أن تشهد تثبيت سلطة الدولة، يصبح أيّ تأخير في حسم ملف الدمج عامل تهديد مباشر للاستقرار٬ إذ إن بقاء قوى عسكرية خارج الإطار المؤسسي، أو السعي لفرض صيغ استثنائية داخل الجيش، يعيد إنتاج نموذج ازدواج السلطة، ويقوّض قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة على الجغرافيا السورية.

كما أنّ هذا التعثّر لا يقتصر أثره على الاتفاق الحالي، بل يهدّد بتقويض تفاهمات سابقة، ويدفع بالمنطقة نحو مستقبل ضبابي، تكون فيه احتمالات عودة الصراع قائمة في كلّ مرة يفشل فيها المسار السياسي في إنتاج حلول حقيقية، وفي ظلّ غياب تفاهمات واضحة وملزمة، يتحوّل الاتفاق من فرصة لإنهاء مرحلة الكيانات المسلحة إلى عبءٍ سياسي وأمني، يضع سوريا أمام اختبار جديد، “إمّا الحسم باتجاه دولة واحدة بقرارٍ واحد، أو الاستمرار في مرحلة عدم الاستقرار بكلّ ما تحمله من مخاطر”.

في الختام٬ يضع تعثّر تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين الحكومة السورية وقسد، المسار السياسي السوري أمام اختبار حقيقي، يتجاوز الخلاف على آليات الدمج ليطال مفهوم الدولة وحدود سيادتها في مرحلة ما بعد الحرب ضد الأسد البائد، فالاتفاق لم يكن غاية بحد ذاته، بل أداة انتقال يفترض أن تنهي مرحلة السلاح الموازي وتؤسس لسلطة مركزية واحدة.

وفي ظلّ استمرار المماطلة وتضارب الأولويات، يبدو أنّ الرهان على الوقت لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار، إذ إن أيّ تأخير إضافي في حسم ملف الدمج يحمل مخاطر سياسية وأمنية تتجاوز أطراف الاتفاق، وتمسّ استقرار البلاد ككل.

وعليه، فإنّ تحويل الاتفاق من ورقةٍ سياسية إلى مسارٍ تنفيذي فعلي يبقى شرطًا أساسيًّا لتجنّب العودة إلى منطق الصراع، وترسيخ دولة قادرة على ضبط القرار والسلاح، بوصف ذلك المدخل الوحيد لاستقرارٍ مستدام في سوريا الجديدة.

شارك

مقالات ذات صلة