مجتمع
غدير يحيى
أحلامٌ وكوابيس متكرّرة تصاحب الطفل أحمد عبد الجواد البالغ من العمر 8 سنوات، بعد أن رأى والده يموت أمام عينيه بسبب انفجار لغمٍ أثناء عملهم في أرضهم الزراعية بريف مدينة معرة النعمان الشرقي، وعن ذلك تتحدّث والدته دون أن تتمكّن من حبس دموعها قائلة: “عدنا إلى منزلنا بعد تحرير سوريا من نظام الأسد، فذهب زوجي لتفقد الأرض الزراعية والأشجار التي نملكها، فانفجر به لغم أرضي، ما أدى إلى وفاته وإصابة ولدي بجروح، ومنذ ذلك اليوم يعاني من أمراضٍ نفسية وحالة من الاكتئاب الحادّ كما وصفه الطبيب”.
الطفل أحمد ليس استثناء بل تشهد سوريا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الاضطرابات النفسية بين مختلف فئات المجتمع، في ظلّ استمرار الأزمات المعيشية والاقتصادية، وتداعيات سنوات طويلة من الحرب والنزوح وعدم الاستقرار.
3 سنوات قضتها الشابة ريم مرشد (29عاماً) من مدينة إدلب داخل معتقلات النظام السوري السابق، لا تُبصر سوى الظلمة، ولا تسمع سوى أصوات التعذيب، ورغم خروجها ما تزال تعاني تحت وطأة الأمراض النفسية، وعن سبب ذلك تتحدّث قائلة: “كانت فترة الاعتقال من أصعب أيام حياتي، حيث كنّا نعيش حياةً لا تشبه الحياة، ولا نعرف الليل من النهار، وبعد خروجي أصابني اكتئاب حادّ، وقطعت تواصلي الاجتماعي بشكل تام عن المحيط، وكنت أعاني من المزاجية وردود الفعل غير المتوازنة مع محيطي من أفراد العائلة والأصدقاء، ومنذ فترةٍ وجيزة قرّرت استشارة طبيب نفسي عبر الإنترنت، وبدأت العلاج بالأدوية وجلسات الدعم النفسي”.
الخوف من المجتمع
الكثير من المرضى النفسيين يصيبهم الخوف من أن يُعتبر الشخص “مجنوناً” أو “ضعيفاً” نتيجة وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي.
المختص في علم الاجتماع وليد دروبي (42 عاماً) يؤكد أنّ أكثر الناس تعرضاً للأمراض والاضطرابات النفسية هم أصحاب الإعاقات أو الناجون من الاعتقال أو من فقدوا ذويهم، محذّراً من مخاطر العلاج الخاطئ الذي يلجأ إليه بعض المرضى من اللجوء إلى السحرة أو تعاطي المخدرات، ممّا يزيد تفاقم المرض ويؤدي إلى الإدمان.
ويعتبر دروبي أنّ المراكز المتخصصة بعلاج الأمراض النفسية في سوريا قليلة جداً وغير كافية، لتغطية الحاجة وتقديم التدخل المناسب، وتقديم العلاج الذي تقتضيه حالة كلّ شخص مع قلةٍ في عدد الكوادر المتخصصة المدربة على البرامج العلاجية المناسبة، والأطباء النفسيين وأطباء رأب الفجوة.
ويشير دروبي أنّ المرضى النفسيين يعانون نتيجة للوصمة المجتمعية، من العزلة الاجتماعية. فالمجتمع ينفض عنهم، ويخشى التعامل معهم، ممّا يزيد من شعورهم بالوحدة واليأس، لأنّ هذه العزلة تعيق عملية التعافي وتؤثر سلباً على استقرارهم النفسي والاجتماعي.
ويؤكد أنّ المرض النفسي ليس عيباً بل مثله مثل أيّ مرض جسدي قد يصيب الإنسان، لذا يجب تسليط الضوء على الأهمية الكبيرة للصحة النفسية، كحقٍّ أساسي من حقوق الإنسان لا يقلّ أهمية عن الصحة البدنية.
ويلفت أنّ حملات التوعية والتثقيف بالصحة النفسية ضرورية لرفع مستوى الوعي، وتقليل الخرافات المرتبطة بالمرض النفسي، حيث يجب أن تركّز هذه الحملات على تقديم معلومات دقيقة حول طبيعة الاضطرابات النفسية، وإمكانية علاجها، وأهمية طلب المساعدة المبكرة، ويمكن أن تشمل هذه الحملات المدارس، الجامعات، المراكز المجتمعية.
تعرّض الشاب حسن (23 عاماً ) من مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي لإصابةٍ حربية في عموده الفقري، أدّت لإصابته بالشلل وأقعدته عن العمل والدراسة، ونتيجة لذلك وقع فريسة الأمراض النفسية، وعن ذلك تتحدّث والدته: “يعاني ولدي من الهلوسات ويسمع أصواتاً، لكنّه يرفض العلاج، وتتحمّل الأسرة هذا الوضع الصعب دون قدرةٍ على إقناعه، ونجد صعوبة في التعامل معه لأنّه يرفض المساعدة، ويصرّ أنّه سليمٌ لا يعاني من أيّ مرضٍ نفسي، وتزداد حالته سوءاً يوماً بعد يوم”، مبيّنة أنّ ولدها لا يتواصل مع الآخرين وتصيبه نوبات صراخ بشكلٍ شبه يومي، ويعتمد بشكلٍ كبير على المهدئات والحبوب المخدرة .
آثار طويلة الأمد.
يعاني النظام الصحي في سوريا نقصاً حاداً في الكوادر المتخصّصة في الطب النفسي، إضافة إلى محدودية المراكز القادرة على تقديم الدعم النفسي والعلاج المناسب، لا سيّما في المناطق الريفية والمخيمات، ما يدفع العديد من المصابين إلى إهمال العلاج أو اللجوء إلى حلولٍ غير طبية.
الطبيبة المختصة بالأمراض النفسية حنان الأسعد (32 عاماً) تبيّن أنّ الأسباب والدوافع التي ساهمت في ارتفاع نسب المصابين بالأمراض النفسية تشمل تردّي الوضع الاقتصادي والأمني، ما ضاعف الشعور بالخوف والقلق والعجز أمام المتطلبات اليومية، وعن ذلك تقول: “لاحظنا تزايداً كبيراً في الاضطرابات النفسية والسلوكية، وحالات عديدة من الرهاب النفسي والوسواس القهري”.
وتبين الأسعد أنّ حالات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة باتت من أكثر المشكلات شيوعاً، خاصة بين فئة الشباب والأطفال، الذين نشأ كثيرٌ منهم في بيئةٍ تفتقر إلى الأمان والاستقرار، كما تعاني شريحة واسعة من البالغين من ضغوطٍ نفسية ناتجة عن البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وفقدان مصادر الدخل.
وتؤكد أنّ على الحكومة الجديدة أن تبدأ فوراً في إحداث مراكز علاج صحي مجانية، ومراكز تدريب وتأهيل، والعمل على تذويب العقبات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت تقف حائلاً أمام الحصول على العلاج. لافتة أنّ هناك زيادة كبيرة في أعداد المصابين بأمراض الدم والقلب والجلطات القلبية الناتجة من حالات الاكتئاب والاضطرابات النفسية الأخرى، فضلاً عن تكرار حالات الانتحار، خاصة لدى الشباب.
وتضيف الأسعد: “النظرة المجتمعية السائدة ترى في المرض النفسي عاراً، ما يدفع كثيرين إلى الصمت. لذا نحرص دوماً على أن تكون الجلسات النفسية سرية، وأن تهدف إلى إعادة بناء الثقة بالنفس، وتمكين الأفراد من مواجهة آثار الصدمات”.
وتبيّن الأسعد أنّ تحسين واقع الصحة النفسية في سوريا يتطلّب جهوداً مشتركة من الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية، إلى جانب دعم دولي مستدام، للحدّ من تفاقم الأزمة النفسية التي باتت لا تقلّ خطورة عن الأزمات الأخرى التي يعيشها السوريون، لأنّ تجاهل الصحة النفسية قد يؤدي إلى آثارٍ طويلة الأمد على تماسك المجتمع، وعلى قدرة الأفراد على التعليم والعمل وإعادة الاندماج الاجتماعي. وتؤكد على ضرورة إدماج برامج الدعم النفسي ضمن الخدمات الصحية والتعليمية، وزيادة حملات التوعية لتشجيع طلب المساعدة دون خوفٍ أو خجل.
تفتك الأمراض النفسية بالسوريين بشكلٍ صامت، بسبب عدم الإسراع في المعالجة، والنظرة السلبية للناس تجاهها، فالحرب التي مزّقت البلاد لم توهن الأجساد فقط، بل اخترقت النفوس والعقول أيضاً، تاركة جيلاً يعاني من جراح يصعب التئامها .


