مدونات
محمد العماري
في الفترة الأخيرة، ومع تسارع الأحداث وتحوُّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى المصدر الأول للأخبار لدى شريحة واسعة من السوريين، لم يعد الإعلام مجرّد وسيلةٍ لنقل ما يجري، بل أصبح طرفاً فاعلاً في تشكيل الوعي العام وتوجيه المواقف السياسية والاجتماعية. فخبرٌ يُنشر بصيغة معيّنة، أو مقطع فيديو يُقتطع من سياقه، قادر اليوم على إشعال جدلٍ واسع، أو خلق حالة غضب، أو حتى دفع الناس إلى تبنّي آراء لم يكونوا ليؤمنوا بها لولا التكرار والتضخيم.
في المجتمع السوري، حيث ما زالت الجراح مفتوحة، والقلق حاضر، والناس تبحث عن أيّ بصيص أملٍ أو تفسير لما يجري حولها، تصبح خطورة “الترند” أكبر. فالترند ليس دائماً عفوياً، وليس دائماً تعبيراً صادقاً عن رأي الشارع، بل في كثيرٍ من الأحيان يكون موجّهاً، يخدم أجنداتٍ سياسية أو اقتصادية أو حتى شخصية، ويُبنى على استثارة الخوف أو الكراهية أو الإحباط. وما يزيد من خطورته أنّ كثيراً من هذه الترندات لا تنشأ من فراغ، بل تستفيد منها جهاتٍ خارجية متعددة، تدرك حساسية الواقع السوري وحالة الإنهاك التي يعيشها المجتمع، وتعتمد في تحقيق مصالحها على تأجيج الرأي العام عبر موجاتٍ مفتعلة ومدروسة بعناية، قادرة على تضخيم الخلافات، وتشويه الحقائق، وصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية.
ومع احتدام الوضع في المجتمع السوري، وما يُتداول عن احتمالات توتر أو خلافات في مناطق حساسة كالساحل والسويداء، إضافة إلى التعقيدات القائمة في ملفّ قسد، تزداد أهمية فهم هذا الدور الذي تلعبه الترندات في هذه المرحلة تحديداً. فنحن نمرّ بفترةٍ دقيقة وحساسة، قد تُستغل فيها أيّ شرارةٍ إعلامية أو موجة تحريض رقمي لدفع الأمور نحو مسارات أخطر، وربما تنتهي بأطماع أكبر بكثير ممّا يُشاع أو يظهر على السطح. من هنا، يصبح الوعي الإعلامي ضرورة ملحّة، لا ترفاً فكرياً، لأنّ سوء الفهم أو الانجرار خلف ترندات موجّهة في مثل هذه الظروف قد تكون كلفته عالية على المجتمع بأكمله.
السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كسوريين: هل نحن من يصنع رأينا بحرية، أم أنّ الرأي يُصنع لنا ثمّ نعيد ترديده دون تفكير؟
الترند السيئ قد يكون إشاعة، أو خطاب كراهية، أو تحريضاً طائفياً، أو محتوى يزرع اليأس ويضخّم الإحباط. خطورته لا تكمن فقط في محتواه، بل في سرعة انتشاره، وفي تفاعل الناس معه دون وعي، سواء عبر الإعجاب أو المشاركة أو حتى التعليق الغاضب. كلّ هذا التفاعل، حتى السلبي منه، يمنحه قوةً وانتشاراً أكبر. وفي مجتمع عانى كثيراً من التضليل الإعلامي، يصبح الوعي الفردي خطّ الدفاع الأول أمام هذا النوع من الترندات.
انطلاقاً من مسؤوليتي كمواطنٍ سوري قبل أيّ شيء، ومن قناعتي بأنّ التغيير يبدأ من الفرد، أتعامل مع الترندات السلبية وفق خطوات واضحة.
قبل أيّ تفاعل، أسأل نفسي: ما الهدف من هذا المحتوى؟ هل يُراد منه إثارة الخوف؟ زرع الفتنة؟ تشويه صورة جهة ما؟ أم صرف الانتباه عن قضيّةٍ أهم؟ هذا السؤال البسيط يساعدني على كسر التأثير العاطفي الأولي، والنظر إلى المحتوى بعين ناقدة لا منفعلة.
إذا كان الترند سيئاً أو مضللاً أو يحرض على الكراهية، أقوم بالتبليغ عنه مباشرة دون وضع أيّ إعجابٍ أو مشاركة أو حتى تعليق، لأنّ أيّ تفاعل، حتى لو كان بهدف النقد، يساهم في انتشاره ويخدم خوارزميات المنصات التي لا تميّز بين التفاعل الإيجابي والسلبي.
عندما ألاحظ أنّ صفحةً معينة تكرر نشر هذا النوع من المحتوى التحريضي أو المضلل، فإنّني أختار حظرها بشكلٍ كامل، فتنظيف المساحة الرقمية الخاصة بي هو شكل من أشكال الحماية النفسية والفكرية، ويساعدني على عدم الانجرار وراء موجات مفتعلة.
في زمن الإعلام السريع والترندات المتقلبة، لم تعد المسؤولية تقع فقط على وسائل الإعلام أو صناع المحتوى، بل أصبحت على كلّ فردٍ منا. في سوريا اليوم، نحن بأمسّ الحاجة إلى وعيٍ رقمي، وإلى التمييز بين ما يُراد لنا أن نصدقه، وما نختاره نحن عن قناعة. فالرأي العام لا يُصنع فقط في غرف الأخبار أو مكاتب السياسة، بل يُصنع أيضاً في هواتفنا، وفي طريقة تفاعلنا، وفي قرارنا أن نكون متلقين واعين لا أدوات نشر. والوعي، مهما بدا فردياً وبسيطاً، يبقى الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر تماسكاً وأقل قابلية للتلاعب.

