مدونات
الكاتب: محمد خير حمندوش
بعد انتصار صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، انهارت القوة العسكرية الصليبية، وامتلأت المعسكرات بالأسرى. وفي لحظة تفوق كامل، اختار الرجل أن ينتصر أخلاقيًّا أيضًا، فعفا عن أعدادٍ كبيرة من الجنود، وفتح باب الفداء، وسعى إلى تأسيس مرحلة مختلفة عمّا فعله الصليبيون عند دخولهم القدس. كان العفو قرارًا واعيًا، لا ضعفا.
لكن التجربة كشفت لاحقًا ما هو أخطر من الهزيمة العسكرية: سوء فهم العفو. بعض من شملهم الصفح عادوا إلى القتال، وانضموا إلى قلاع الساحل، وشاركوا في الغدر والقتل، مستفيدين من خروجهم بلا محاسبة، ولا اعتراف، ولا تفكيك لما كانوا جزءًا منه. وهنا تستحضر عبارة منسوبة إلى مدرسة صلاح الدين السياسية، تختصر جوهر المسألة:
«إنّ العفو إذا لم يضبط بالعدل، انقلب ضعفًا، والضعف يغري بالغدر».
حينها أدرك صلاح الدين درسًا سياسيًّا بالغ القسوة: أنّ العفو حين يكون عامًا، غير مشروط، وغير مميّز، قد يتحوّل من فضيلةٍ إلى ثغرة. لم يتراجع عن أخلاقه، لكنّه غيّر سياسته. صار يفرّق بين الجندي المكره، والقائد المجرم الذي تلطخت يداه بالدماء، وبين التابع الذي يمكن دمجه، ومن يجب تحييده. فالتاريخ لا يدار بالنوايا، بل بالنتائج.
العفو في لحظات التحوُّل: معضلة سياسية لا أخلاقية.
في كلّ مرحلةٍ انتقالية بعد سقوط نظام عنيف، يظهر السؤال ذاته: هل نبدأ بالعفو أم بالعدالة؟ التجربة التاريخية، من روما إلى الأندلس، ومن أوروبا إلى العالم الحديث، تكاد تجمع على نتيجة واحدة: العفو قبل العدالة لا ينتج استقرارا، بل هدنة مؤقتة.
فمن لم يحاسب لا يشعر بالذنب، ولا يرى في التغيير قطيعة، بل فرصة لإعادة التموضع. وحين تعود الفوضى، يفاجأ الجميع… إلا أولئك الذين كانوا يعرفون أنّ الجريمة بلا ثمن تعود دوما.
في السياقات الانتقالية، يكون الحرص على منع الانتقام مفهومًا، بل ضروريا. لكنّ المشكلة لا تكون في رفض الثأر، بل في تعطيل العدالة. فالعفو الذي لا يسبقه كشف للحقيقة، واعتراف، ومحاسبة عادلة، وتفكيك لمنظومات الجريمة، لا يقرأ كحكمةٍ، بل كرسالةٍ خاطئة.
رسالة تقول إنّ القوة تكافأ، وإنّ الدم يمكن تجاوزه بالصمت، وإن ّالضحايا يمكن مطالبتهم بالنسيان قبل الإنصاف. وعندما يظهر لاحقًا اضطراب، أو عنف، أو شغب، لا يكون ذلك مفاجئًا تاريخيًّا، بل نتيجة منطقية لمسارٍ غير مكتمل.
الخلاصة
العفو قيمة إنسانية عالية، لكنّ العدالة شرط بقائها. وصلاح الدين لم يكن عظيمّا لأنّه عفا فقط، بل لأنّه تعلّم حين أساء البعض فهم عفوه. أمّا المجتمعات التي لا تتعلّم من هذه الدروس، فتجد نفسها مضطرة إلى دفع الثمن لاحقًا، غالبا بدم مضاعف. فالتاريخ لا يعاقب على القسوة وحدها، بل يعاقب أيضًا على الرحمة غير المؤطرة بالعدل.