فكر

برنارد لويس.. المركز والهامش في تاريخ سوريا

ديسمبر 31, 2025

برنارد لويس.. المركز والهامش في تاريخ سوريا

لسنواتٍ طويلة كنت متابعاً شغوفاً لكلّ ما يُكتب عن الطائفية قديماً وحديثاً في المنطقة العربية، وكانت هذه المتابعة نابعة عن اندهاش بكمية الغنى في التركيبة الاجتماعية للتاريخ العربي والإسلامي، أكثر منها متابعة بقصد الوقوع على دلائل تثبث وجهة نظري الطائفية، ولا شك أنّ بعض هذه الكتابات التي مرّت علي في هذا المضمار هي نتاج مستشرقين غربيين، ولا أنكر السحر الذي تحمله هذه الكتابات والذي يجعلني أقتنع بها، بما تحمله من تبسيط أحياناً ومن طرح وجهات نظرهم عبر ما أسميه الأسلوب الخبيث، والذي يوهمك أنّك وقعت على الحقيقة النهائية في الحديث عن الطائفية في منطقتنا العربية.

مع تصاعد التوترات الطائفية في سوريا خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد الاشتباكات التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء، بدا واضحاً أنّ جزءاً من هذا التوتر لا يمكن فهمه فقط من خلال السياسة الراهنة، بل من خلال تاريخ طويل ومعقّد من العلاقة بين الجبل والسهول، وبين المذاهب الإسلامية المختلفة.

لويس وصراع المشاريع

وفي خضم متابعتي لهذه التطورات، جاءت قراءتي لكتاب برنارد لويس الشهير “الحشاشون: فرقة ثورية في الإسلام” لتفتح نافذة جديدة على جذور هذا التاريخ، ليس بوصفه صراعاً دينياً بحتاً، بل محاولة دائمة من مجموعاتٍ مهمّشة لبناء مشروع بديل عن الدولة المركزية السنية التي هيمنت على مدن وبلدات الشام لقرون طويلة.

وبينما يبقى لويس مثاراً للجدل بين الباحثين العرب، إلا أنّ تحليله لنشأة الحركة النزارية الإسماعيلية يقدّم إطاراً يساعد على فهم بعض البُنى العميقة التي ما زالت تؤثر في تشكّل الهويات الطائفية السورية حتى اليوم.

يشكّل كتاب برنارد لويس “الحشاشون: فرقة ثورية في الإسلام” أحد أكثر الأعمال الغربية تأثيراً في تشكيل صورة الإسماعيليين النزارية، لكنّه في الوقت نفسه يعكس الكثير من المنهجية التي طُبعت بها دراسات الاستشراق في القرن العشرين.

فلويس، رغم غزارة إنتاجه، يقرأ التاريخ الإسلامي من زاوية الصراع بين “مشروع سنّي رسمي” و”حركات شيعية ثائرة”، وهي قراءة تمنح البعد العقائدي وزناً أكبر من العوامل الاجتماعية والسياسية المعقّدة التي أحاطت بتلك القرون. وبقدر ما تبدو أطروحته جذّابة ومتماسكة، إلا أنّها تُسقِط على التاريخ الإسلامي نموذجاً تفسيرياً ثابتاً: مركزٌ سني مهيمن، وهامشٌ شيعي يحاول إنشاء نموذج بديل، وكلّ ذلك يأتي في مضمار فلسفة صراع المشاريع التي سار عليها لويس في كتاباته عموماً.

جغرافية المركز الحضري والمعقل الجبلي

ومع ذلك، يظلّ الكتاب مهماً لأنّه يفكك كثيراً من الأساطير التي علقت بصورة الحشاشين، خصوصاً رواية “تعاطي الحشيش” التي يسقطها لويس باعتبارها منتجاً للمخيال السني الوسيط والروايات الصليبية اللاحقة. لكن هذا التفكيك لا يلغي محدودية زاوية النظر عند لويس، الذي يميل إلى تضخيم “الطابع الثوري” للحركة النزارية بوصفه صراعاً أيديولوجياً مع الخلافة، أكثر من كونه نتاجاً لشروط اجتماعية وجغرافية وجيوسياسية دفعت الإسماعيليين إلى الجبال، وإلى استخدام أساليب حرب غير تقليدية. بهذه الإضافة النقدية يصبح الكتاب أداةً لفهم جانب من التاريخ، لا إطاراً كاملاً لقراءته.

يُظهر التاريخ الاجتماعي لبلاد الشام أنّ الجغرافيا أدّت دوراً مركزياً في تشكيل علاقة الطوائف بالسلطة، أعمق بكثيرٍ من الاختلافات المذهبية وحدها. فالسهول والمدن الكبرى كدمشق، حلب، حمص، حماة كانت عبر القرون مراكز الدولة المركزية: فيها الجيوش، الدواوين، والأسواق، ومنها تُدار موارد السلطة والبيروقراطية.

هذه المدن شكّلت البيئة الطبيعية لانتشار المذهب السني الذي ارتبط تاريخياً بنمط الدولة المركزية، لا بوصفه هوية مغلقة، بل باعتباره الإطار الاجتماعي والديني الذي احتضن وظائف الحكم والإدارة والتعليم الديني.

في المقابل، شكّلت الجغرافية الجبلية لسوريا فضاءً مختلفاً تماماً، فهذه المناطق الوعرة والمعزولة نسبياً، كانت دائماً خارج السيطرة المباشرة للدولة، الأمر الذي دفع جماعات متعدّدة للجوء إليها هرباً من صراعات سياسية أو اقتصادية أو مذهبية في المدن.

ومع الزمن تشكّلت ثقافة مجتمعية خاصة بالجبل، تُحاكي شعوراً بالاستقلال والهامشية، وتُفسّر كيف أنّ الحركات “الباطنية” أو المنشقّة غالباً ما تجد فيها ملاذاً ومنصّة لإعادة تنظيم نفسها، ولويس يؤكد ذلك من طرحه اهتمام حسن الصباح المؤسس للفرقة النزارية وأمير آلموت الأول الشهير بسوريا، حيث أوفد في مرحلة مبكرة لسوريا مجموعة من الدعاة، معتقداً أنّ بيئتها الجبلية كانت دافعاً قوياً لذلك، بينما تجاهل العراق لطبيعته السهلية، نفسه لويس يؤكد في موضع آخر أنّ المجتمعات الإسماعيلية والشيعية في سوريا، كانت جنباً إلى جنب مع المجتمعات السنية في المدن والسهول الزراعية، وأنّ الحرب التي بدأها الصباح ساهمت في إنهاء وجودهم منها!.

تاريخ لا يتكرر.. لكنّه يترك ظلاله

إنّ هذا الانقسام الجغرافي، قبل أن يكون مذهبياً، ساهم في خلق تخيّل اجتماعي طويل الأمد: “المدينة مركز الدولة”، و”الجبل مأوى المختلف والمهمَّش”. ومن هنا يبدأ فهم جزء من التوترات الطائفية الحديثة في سوريا، بحسب هؤلاء المستشرقين وقرائهم من السوريين، وساهم الاستقطاب الطائفي خلال الخمسين سنة الأخيرة في إعادة إنتاج هذه السردية من جديد، وقد شارك الطرفان في تأكيد هذه السردية وحاولا إعادة توظيفها بشكلٍ أو آخر، عبر التأكيد على أنّه تاريخ يعيد نفسه وصراع قديم منذ فجر الإسلام، وهو ما يتلاقى مع الرؤية الاستشراقية التبسيطية.

رغم أنّ الصراع بين الدولة السنية المركزية والحركات الشيعية المنشقّة في القرون الوسطى، كما يقدّمه برنارد لويس، يبدو بعيداً زمنياً عن الطائفية السورية الحديثة، إلا أنّ آثار ذلك التاريخ ما تزال حاضرة في الذاكرة الاجتماعية، لا بوصفه علاقة سببية مباشرة، بل كمخزونٍ رمزي يلوّن المخاوف والهويات والانحيازات.

فعلى مدى قرون من الحكم العثماني، تراجعت حدة الصراعات المذهبية السياسية التي ميّزت العصر العباسي، لكن بقيت الجماعات الجبلية العلوية، الدرزية، وبعض الإسماعيليين على هامش الفضاء السياسي، تحكمها علاقات محلية وزعامات تقليدية، بينما حافظت المدن على مركزيتها السنية ودورها الإداري والتجاري.

ثمّ جاء الانتداب الفرنسي ليكرّس هذا الانقسام عبر سياسة “تفكيك المراكز”، فأنشأ دويلات طائفية في الجبال، ومنح امتيازات محلية لزعامات مذهبية. لم يكن ذلك إنشاء للطائفية، لكنّه حوّل الهويات المحلية إلى وحدات إدارية وسياسية، وزرع في الوعي العام فكرة أنّ “الجبل” كيان مستقل عن “المدينة”. ومع قيام دولة الاستقلال، بقيت هذه الفوارق غير المحسومة تُنتج توترات كامنة، خصوصاً مع ضعف الدولة الحديثة وعجزها عن دمج الأطراف في مركز سياسي واقتصادي واحد.

وهكذا تشكّلت الطائفية السورية الحديثة كتفاعل بين تاريخ طويل من العزلة الجغرافية والاجتماعية، وبين دولة مركزية لم تستطع تجاوز إرث الجبل والسهل. لم يكن الماضي يعيد نفسه، لكنّه ظلّ يمدّ الحاضر بصور وذاكرة وخرائط خوف تُستدعى بسهولة عند كلّ أزمة.

الثورية النزارية و تأصيلها

يرى برنارد لويس أنّ الانشقاق الشيعي عن الجسد الإسلامي الأول لم يكن مجرّد اختلاف مذهبي حول أحقّية الخلافة، بل كان مشروعاً فكرياً وسياسياً متكاملاً يسعى إلى قلب النموذج السني الحاكم منذ لحظة تشكّله. فبحسب لويس، اعتقد منظّرو التيار الشيعي المبكر أنّ الدولة الإسلامية التي نشأت بعد الفتوحات انحرفت عن جوهر الرسالة الأولى، وأنّها تحوّلت إلى بنية إمبراطورية عربية تكرّس السلطة والامتيازات. ومن هنا وُلدت القناعة بأنّ تغيير هذا الواقع لا يكون إلا باستبدال “الإسلام الرسمي” بنموذج آخر يقوم على الإمامة العادلة، كما تصوّره الرواية الشيعية.

ضمن هذا الإطار، يضع لويس الحركات الإسماعيلية ثمّ الانشقاق النزاري كأعلى درجات هذا السعي الثوري، إذ رأى فيها محاولة جريئة لبناء دولة عقائدية موازية للخلافة العباسية، لا تكتفي بالاحتجاج بل تنشئ نموذجاً بديلاً عبر الدعوة السرية، وبناء القلاع، واستخدام الاغتيال كسلاحٍ سياسي دقيق. غير أنّ هذه القراءة، رغم اتساقها النظري، تحمل تبسيطاً تاريخياً واضحاً؛ فهي تفترض وجود “مشروع شيعي واحد” يمتدّ عبر القرون، متناسقةً داخلياً ومتحركة وفق هدف ثابت: إسقاط النموذج السني.

لكنّ الواقع التاريخي يُظهر العكس: فالحركات الشيعية المتعددة من الكيسانية والزيدية إلى الإسماعيلية والاثني عشرية لم تكن كتلة واحدة، بل تجارب متباينة تشكّلت في سياقاتٍ اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة جذرياً.

كما أنّ تضخيم لويس لفكرة “القصدية الثورية” لدى النزاريين يُهمل عوامل محلية وجغرافية دفعتهم إلى تبنّي أساليب غير تقليدية، من بينها تفكك الدولة العباسية، وضعف السلطة في الشام، وطبيعة الجغرافيا الجبلية أكثر من كونه صراعاً عقائدياً موجهاً لهدم “الإسلام السني” بوصفه مشروعاً مضاداً. بهذا المعنى، يقدّم لويس إطاراً مهماً، لكنّه يحتاج إلى إعادة قراءة تُعيد تفكيك مسلّماته ولا تأخذ “المشروع الشيعي” كحقيقةٍ تاريخية مطلقة.

يكتب برنادر لويس عموماً من وجهة نظر اسشتراقية سياسية، تنحو في أحيان كثيرة نحو تبسيط التاريخ الإسلامي، باعتبار أنّ كلّ حركة سنية هي استقرار وكلّ حركةٍ شيعية هي مشروع انقلاب، السنة هم المركز والشيعة هم الهامش، ويحاول ربط ومضات من التاريخ السياسي الإسلامي ليؤكد على وجود خيط رفيع يتجه من قلعة آلموت إلى السقيفة بحيث يؤرخ لصراعٍ طويل بين الشيعة والسنة.

رغم حقيقة أنّ الدولة الفاطمية الإسماعيلية كانت مركزاً حضارياً لزهاء قرنين من الزمن ولم تسع إلى إنهاء الخلافة العباسية رغم قوتها، ورغم أنّ المذهب الاثني عشري كان خصماً عنيداً للمذهب الإسماعيلي، ويتحدث الكتاب نفسه عن التسنن الذي أجراه بعض خلفاء الصباح،


والذي قام بموجب أحد أمراء قلعة آلموت بدعوة فقهاء سنة للقدوم إلى مكتبة حسن الصباح فيها، وإتلاف كلّ ما يرونه مخالف للفقه السني.

شارك

مقالات ذات صلة