آراء
أدرس بعنايةٍ تكتيكات فلاديمير بوتين منذ يومه الأول في شنّ حربه على أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير ٢٠٢٢. كنت حينذاك أعمل كلّ مساء على تقديم حوار موسّع يقدّم تحليلاً عسكريًّا ثمّ سياسيًّا للمعارك مع خيرة المختصين العسكريين والاستراتيجيين. وكان كتابان لا يبرحان مكتبي في لندن، انتقلا معي أثناء تحضير تحقيقي عن الكبتاجون في ست دولٍ من بينهم سورية، ثمّ استقرا هنا على مكتبي هذا في القاهرة. أحدهما سجلته في مدونةٍ صوتية وهو كتاب فن الحرب لسون تزو ونعده كمختصين أكاديميين في دراسات الحرب بمثابة دليل، والثاني محور مقالي اليوم: الحرب – ثلاث وثلاثون استراتيجية. أكاد أجزم أنّ السيد بوتين إمّا أنّه مولع بالكتاب أو أنّ بينه وبين كاتبه عام ٢٠٠٦ قبل نقله للعربية ٢٠٠٩ روبرت جرين تخاطر من نوعٍ فريد. فالاستراتيجيات الثلاث والثلاثون جميعها تقريبًا طبّقها ويطبّقها بوتين في أوكرانيا منذ الغزو، وأدّعي أنّها تُطبق بحذافيرها.
السبت الثامن والعشرون من ديسمبر الجاري قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنّ أوكرانيا ليست في عجلةٍ من أمرها لتحقيق السلام، وإذا لم ترغب في حلّ الصراع سلميًّا فستحقّق موسكو جميع أهدافها بالقوة. التصريحات التي جاءت في أعقاب هجوم روسي موسع بطائرات مسيرة وصواريخ استدعت ردًّا من خصمه الممجوج الاستجابات الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي قائلا: ”إنّ موسكو تُظهر رغبتها في مواصلة الحرب بينما تريد كييف السلام“.
لا الفعل جديد ولا ردّ الفعل، لكنّ اللافت هو تداخل استراتيجيات جرين في أكثر من موضع في طيّات هذه التصريحات. بوتين اعتمد بحدة استراتيجية ”قلب الطاولة“ بمعنى أدقّ ”الهجوم المضاد“ وهي في الجزء الثالث من كتاب روبرت جرين تحت بند الحرب الدفاعية. أعلم أنّ روسيا هي من غزت أوكرانيا، لكن لا تنسوا ياسادة أنّ بوتين قانعٌ شديد الاقتناع أنّ لإقدام أوكرانيا على الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وإفصاحها عن ذلك قبل ٢٠٢٢ تهديدًا مباشرًا لروسيا استوجب من وجهة نظره الدفاع، وأنّه اضطر لشنّ هجوم عسكري شامل مضادّ كحربٍ دفاعية اعتمد فيها قلب الطاولة على حلف شمال الأطلسي وغريمه الأبقى الولايات المتحدة ربما ما قبل ترمب.
أمّا ما نجح فيه بوتين وبكفاءةٍ في العامين الأولين من الحرب كان الضغط الشديد على إقليم دونيتسك في منطقة دونباس. الضغط على هذا الإقليم كان ضغطًا على مركز اقتصادي يؤلم أوكرانيا في شمال شرقها حتى اليوم كالجرح الملوث، فعمليًّا تعتبره روسيا لها وتقاتل لضمه فعليًّا، وفصله عن أوكرانيا خصوصا لطبيعته الديموجرافية العرقية الروسية. فلاديمير بوتين يستعير من روبرت جرين الجزء الرابع من كتابه تحت استراتيجية مغايرة تمامًا للحرب للهجوم المضادّ الذي كتبنا عنه في الفقرة السابقة؛ هذه المرّة بوتين يشنّ حربًا هجومية، بتكتيكٍ محدّد ”سيطر على الديناميكية: استراتيجيات الضغط“. في ذلك يقول جرين في نبذةٍ عن الفصل: ”يحاول الناس دوما السيطرة عليك. الطريقة الوحيدة حتى تصبح لك اليد الطولى هي أن تجعل لعبتك من أجل السيطرة أكثر ذكاءً وتبصرًا. بدلاً من أن تحاول السيطرة على كلّ حركةٍ يقوم بها الطرف الآخر، اعمل على تعريف طبيعة العلاقة نفسها. انقل الصراع إلى منطقة تختارها، مغيّرًا الإيقاع والأولويات بالاتجاه الذي يناسبك“. شتّت بوتين زيلينسكي بين كييف وإقليم دونيتسك منذ بداية الحرب، حتى بات الإقليم الآن أهم مناطق الصراع وأكثرها تعقيدًا، لا للاختلاط العرقي فقط وإنّما لكون المنطقة ”عاطفيًّا“ وأعني الكلمة حرفيًّا نقطة ضعف للعرقيتين الروسية والأوكرانية منذ ٢٠١٤ في محاولةٍ سابقة لفصل الإقليم. هنا بالفعل أتعجب من التخاطر بين بوتين وروبرت جرين فالأخير يختم الفقرة بالتالي ”ناور لكي تسيطر على عقل خصومك، ضاغطًا على أزرارهم العاطفية، ومجبرًا إياهم على ارتكاب الأخطاء.“
في الجزء الخامس من كتاب ”ثلاث وثلاثون استراتيجية للحرب“ قدّم جرين خليطًا مدهشًا من تكتيكات الحرب القذرة، القائمة على الخدع والحيل والاستراتيجيات غير البريئة. وأكاد أجزم ألم يترك بوتين إحداها إلا واستخدمها في التوقيت الحرج، الذي لا يمَكّن عدوه أو قل أعداءه من التملص أو مراوحة مواقعهم السياسية أمامه كخصم، أو أمام شعوبهم وسط أزمات اقتصادية وديمقراطية طاحنة وفاصلة أيضًا، بعضها عصف بدءًا بأوكرانيا وانتهاء بالحرب على غزّة بشرعية المجتمع الدولي وفكرة الحوكمة والديمقراطية الغربية بل والمجتمع والقانون الدوليين في حصونها المنيعة. لسنا بعيدين أبدًا لا عن بوتين ولا عن إسرائيل عندما نقرأ استراتيجية روبرت جرين ”سيطر على التفوق الأخلاقي : استراتيجية زعم الحقّ“. يقول جرين: ”في عالمٍ سياسي، ينبغي أن تبدو قضيّتك أكثر عدالة عن قضية العدو. عبر التشكيك بدوافع أعدائك وإظهارهم بمظهر الأشرار، تضيق قاعدة دعمهم وقدرتهم على المناورة، وحين تتعرّض أنت نفسك لهجوم أخلاقي من عدو ذكي/ لا تغضب ولا تنتحب، بل رد على النار بنار“. أظنّ واثقة أنّ بوتين نجح في تطبيق الاستراتيجية وفشلت في تطبيقها إسرائيل فشلاً مؤلمًا. لكنّ ما ميّز نجاح بوتين ومطابقته لما سطّره جرين كان استراتيجية أخرى نفّذها بحذافيرها نصّت كالتالي: ”ناورهم حتى يضعفوا: استراتيجية الثمار اليانعة“. استنزف بوتين زيلينسكي في حربٍ طويلة بلا نهاية اعتقد كلاهما أنّها ستنتهي خاطفة وسريعة. الحساب الوحيد الذي لم يحسب كلاهما له حساب أنّ اللاعب الأكبر في حلف شمال الأطلسي الذي استشعر منه بوتين الخطر، وغريمه التقليدي الولايات المتحدة -أقول ربما قبل ترمب فقد يفاجئنا بنهاية دراماتيكية لحرب أوكرانيا- استنزف الجميع بوتين وزيلينسكي وحتى حلفاءه في الحلف، وبقي حتى اللحظة المستفيد الوحيد. بالمناسبة روبرت جرين كاتب أمريكي من كاليفورنيا. ولعلّها صدفة، مجردّ صدفة.





