مدونات
أنس حوى
يقارن بعض المراقبين بين مقاربة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الدولة السورية الجديدة، وبين التزاماته التقليدية تجاه إسرائيل ومكانتها الخاصة داخل الاستراتيجية الأمريكية. غير أنّ هذا الطرح يحتاج إلى قدرٍ من التفكيك، بعيداً عن المقارنات المباشرة أو الاستنتاجات السريعة.
في هذا السياق، من الضروري التمييز بين تعامل ترامب مع إسرائيل ككيانٍ استراتيجي، وبين تعامله مع حكومة بنيامين نتنياهو وسياساتها. فالمؤسسة الأمريكية، بغضّ النظر عن هوية الرئيس، تنظر إلى إسرائيل واستقرارها بوصفهما ركيزة أساسية للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، فإنّ دعم إسرائيل لا يرتبط بحكومة بعينها، بل بمصالح استراتيجية ثابتة.
في المقابل، يتركز الخلاف بين ترامب ونتنياهو في النهج السياسي والأمني الذي يتبعه الأخير، ولا سيّما فيما يتعلّق بإدارة الصراعات الإقليمية. وقد شهدت العلاقة بين الرجلين توتراً واضحاً منذ الانتخابات الأمريكية عام 2020، بعد مواقف سلبية صدرت عن نتنياهو عقب خسارة ترامب، ما انعكس على مستوى الثقة بينهما. إلا أنّ هذا التوتر بقي محصوراً في التعامل مع حكومة نتنياهو، ولم ينسحب على العلاقة الأمريكية مع إسرائيل كدولة.
ترى إدارة ترامب أن سياسات نتنياهو، القائمة على إطالة أمد الصراعات وفتح جبهات متعددة في المنطقة، لا تنسجم مع التوجه الأمريكي الرامي إلى تقليل التوتر ودفع مسارات التسوية. فنتنياهو، الذي يواجه ضغوطاً سياسية وقضائية داخلية، يميل إلى توظيف التصعيد الخارجي لتعزيز موقعه السياسي. في المقابل، يسعى ترامب إلى إنهاء النزاعات المفتوحة، بما يحفظ أمن إسرائيل ويحدّ في الوقت نفسه من الأعباء السياسية والعسكرية على الولايات المتحدة، ويمنع تمدد النفوذ الإيراني والروسي.
في هذا الإطار، يندرج الاهتمام الأمريكي باستقرار سوريا ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى معالجة الفراغ السياسي والأمني الذي أعقب سقوط نظام الأسد، عبر دعم الدولة السورية الجديدة وتمكينها من بسط سيادتها. فواشنطن ترى أنّ استمرار الفوضى في سوريا يشكّل تهديداً مزدوجاً، لأمن إسرائيل من جهة، ولمصالحها الإقليمية من جهة أخرى.
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن السلوك الإسرائيلي في الساحة السورية، ولا سيّما في الجنوب، الذي بات إحدى أكثر المناطق حساسية خلال المرحلة الانتقالية الراهنة.
إنّ إصرار نتنياهو على فرض شروطه في الجنوب السوري لا يندرج في إطار التشدد التفاوضي فحسب، بل يعكس إدراكاً بأنّ الظروف التي أفرزتها التحوّلات في سوريا قد تكون مؤقتة. فقد أتاح ما جرى في الجنوب هامشاً واسعاً للمناورة الإسرائيلية، في ظلّ الفراغين الأمني والسياسي اللذين رافقا مرحلة انتقال السلطة وبداية تشكّل مؤسسات الدولة الجديدة.
سعت إسرائيل إلى استثمار هذا الواقع لفرض ترتيبات جديدة على الأرض، عبر تبرير تدخلها تحت عناوين مثل “حماية الأقليات”، وهي ذرائع يدرك نتنياهو محدودية صلاحيتها السياسية والزمنية. لذلك يحاول تثبيت هذه المكاسب من خلال اتفاقات تُصاغ وفق شروطه، ليس فقط لأسبابٍ أمنية، بل بهدف إبقاء الجنوب السوري منطقة ضعيفة، قابلة للتأثر بالتدخل الخارجي، ومحدودة القدرة على اتخاذ القرار.
يتزامن هذا المسار مع مرحلةٍ داخلية صعبة يمرّ بها نتنياهو، في ظلّ احتجاجات وانقسامات سياسية وملفات قضائية تضغط عليه بقوة. وفي هذا السياق، يصبح أيّ إنجازٍ خارجي أداة لإعادة ترميم صورته السياسية وتقديم نفسه بوصفه قادراً على حماية أمن إسرائيل.
من هنا، يمكن فهم هذا التشدد بوصفه انعكاساً للخوف من فقدان الفرصة أكثر ممّا هو تعبير عن قوة حقيقية. فكلّما تقدّمت عملية استقرار سوريا، واستعادت الدولة حضورها، تراجعت قدرة إسرائيل على فرض شروطها أو تكريس وقائع جديدة على الأرض. وعليه، فإنّ ما يجري في الجنوب السوري يتجاوز كونه مسألة أمنية آنية، ليعكس محاولة لاستغلال مرحلة انتقالية لفرض واقع طويل الأمد.
على مستوى أوسع، تقف المنطقة اليوم أمام مسارين رئيسيين. الأول يقوم على التصعيد، وقد يؤدي إلى توسع دائرة الصراع وتهديد الاستقرار الإقليمي، وربما المساس بالمصالح الأمريكية نفسها. أمّا المسار الثاني، وهو الأقلّ كلفة، فيعتمد على إنهاء الحرب في غزة وفق رؤية ترامب، والدفع نحو استقرار سوريا أمنياً واقتصادياً، بالتوازي مع معالجة ملف المليشيات الإيرانية في لبنان والعراق واليمن.
تبدو إدارة ترامب أقرب إلى المسار الثاني، مستخدمةً أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية للحدّ من التصعيد وفرض تسوية مرحلية. غير أنّ هذا التوجه يصطدم برفض نتنياهو، الذي يرى فيه تهديداً مباشراً لمستقبله السياسي، ما يدفعه إلى مواصلة سياسة التصعيد والمناورة.
وعليه، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت واشنطن ستنحاز إلى سوريا على حساب إسرائيل، بل ما إذا كانت قادرة على الموازنة بين دعمها الثابت لإسرائيل، وبين كبح سياسات حكومة نتنياهو التي باتت، من وجهة نظر أمريكية، عامل توتر يهدد الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية على المدى الأبعد.

