آراء

“وما كانَ ربّكَ نسيّا” .. كتابٌ للروح

ديسمبر 29, 2025

“وما كانَ ربّكَ نسيّا” .. كتابٌ للروح

بطبيعتي أميلُ للكتب الروحية الفلسفية الصوفية، تلك الّتي تأخذك من فجاجة الطين إلى شفافية الماء، ومن حيرة اللحظة، إلى يقينها، أنهيتُ قبلَ أيّام قراءة كتاب (وما كان ربّك نسيّا) للأديب الكويتي علي المسعودي، والحقيقة أنّني تروحّنت مع الكتاب إلى أبعد حدّ، وتمنيّت لو يستطيع أن يقرأه كلّ غزّاويّ، لأنّ فيه ضمادات روحية عاجلة لأيّ نزيفٍ تحسّهُ بقلبك.
كتاب (وما كان ربّك نسيّا) صادر عن دار روزا للنشر، وقد جاء في 147 صفحة من القطع المتوسط، مقتبساً فيه المسعودي 28 اقتباساً ما بين آيةٍ قرآنية أو حديثٍ شريف أو قول وردَ في السيرة النبويّة، وكأنّه يجد دواءً سريعاً لكلّ عذابٍ تتألمُ به في روحك.
ما بين (لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا) ، و(ما كان ربّك نسيّا)، و(إنّا كلّ شيءٍ خلقناه بقدر)، و(فإنّك بأعيننا)، و(لا تحزن إنّ الله معنا) .. وإلى آخره.
ولكننّي مدينةٌ للكاتب أنّه جعلني أتأمّل أكثر في معنىً نبويّ راقني للغاية، في باب صنّفه تحت هذا العنوان (كن خيرَ آخذ) وهذه الجملة قالها عدوّ من أعداء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان قد أشهر سيفه أمامه بينما يستريح وقال له ما يمنعك عنّي يا محمد، فردّ الرسول ﷺ ( الله ) ، فسقطَ السيفُ من الرجل وتشنج، فالتقطهُ الرسول ﷺ وقال للرجل ما يمنعك عني؟ فقال الرجل ( كن خيرَ آخذ) فعفا عنه الرسول ﷺ وأخلى سبيله.
لكنّ هذه العبارة أسرتني، فالنبي ﷺ هو خير معطٍ، خيرُ هادٍ، ولكنّني أقف لأول مرّة وأنا أتذوق معنى السلب مع النبيّ ﷺ ، والذي زاد إعجابي أنْ يطلق هذه الصفة عدوّ للنبي ﷺ ، (خيرُ آخذ).
يأخذ السيفَ لا ليقتل بل ليعلّم الناسَ العفو عند المقدرة، هذا هو الأخذ النبويّ، أخذٌ من أجل الحبّ والصفح والأمان، والأخذ هنا يتسع من المادي للمعنوي، كما انتقل من السيف في يد النبي ﷺ إلى الصفح عن المعتدي القاتل، ومن بطشة اليد، إلى رحمة القلب، كيف لا وهو رحمة للعالمين، بذلك تنتصر رحمة المصطفى ﷺ في كلّ مرّة، ونشعر كم نحن ما زلنا تلاميذ صغارا في مدرسته النبوية العظيمة.
ولقد توقفت في الكتاب عند عبارة عظيمة، وشعرتُ أنّني أسمعها أيضاً لأول مرّة وهي لسيّدنا عمر بن الخطاب حينما قال: (سيّدُنا أعتقَ سيّدَنا) ويقصد بها (سيّدنا أبو بكر أعتقَ سيّدنا بلال بن رباح ).
حقيقةَ عبارة لمست قلبي عميقاً، لأنّ سيّدنا عمر يُعَدِّلُ بوصلة السّيادة، من تظنّه عبداً أجيراً ربّما هو سيّد، ومن تظنّه سيّداً ربّما هو في حقيقته كالعبد الأجير، أي أنّ بصرك لا يدرك إلا ظاهر الأشياء، لكنّ سيدنا عمر ببصيرته يعدّلُ هذه البوصلة في هذه العبارة الرائقة، يوضّح الموازين، ويذيقنا جمالية معنى أنّه لا أحد يعرف حقيقة الأشياء، ربّما المعطي مانع، وربّما المانع معطٍ، وربّما السيّد أجير ، وربّما الأجير سيّد، لذلك فإنّ من يرتدي ثوب التواضع هو السيّد الأبديّ، ومن تكبّر فقد سقط في فخّ إبليس وحضيض الخسران.
شكرًا للأستاذ علي المسعودي على هذا الإبداع، ولأنّني التقطتُ الكثير من المعاني الروحية العذبة والعظيمة في هذه التأملات الرائقة وقد أتاحت لي التأمل في فيوضات هذه الاقتباسات الواردة.
وصلّى الله على سيّدنا محمد خير معطٍ، وخير آخذ، وخير حبيب، وخير نصير، وخير قائد، وخير طبيب، وخير شفيع، وخير رؤوف، وخير رحيم، وعلى آله وأزواجه وذريته وسلّم…

شارك

مقالات ذات صلة