آراء

بطولة السيد المسيح في حماية التوحيد.. ومحاكمته في السياق الروماني

ديسمبر 28, 2025

بطولة السيد المسيح في حماية التوحيد.. ومحاكمته في السياق الروماني

  1. كلما أعدنا النظر إلى محاكمة المسيح عليه السلام في ذلك الزمان البعيد، تتجلّى صورة سامية من البطولة الأخلاقية لذلك النبي الكريم، بمظاهره و ممارسته التي تمثل جوهر الشجاعة الصامتة،  فالمسيح عليه السلام لم يكن طالب سلطة، ولا صانع صدام، لكنّه حمل كلمة صادقة في زمنٍ لا يحتمل الصدق والأمانة، ولهذا وُضع في قلب مواجهة لم يخترها، لكنّه بشجاعته و إيمانه –عليه السلام- لم يتهرب منها.
  2. لقد عاش السيد المسيح –عليه السلام-  في سياق وظروف سياسية مضطربة، تحكمه سلطة رومانية وثنية تخشى أي التفاف شعبي حول المصلحين ، ومن أيّ دعمٍ نخبوي ديني محلي لأولئك المصلحين، فتلك القوتين “الشعبوية و النخبوية”  ارتبط نفوذها باستقرار ذلك الحكم، وبين هاتين القوتين والنفوذين، جاء خطاب السيد المسيح نقيًا وبسيطًا: الدعوة إلى عبادة الله الواحد لا شريك له، وإلى تطهير العلاقة بين الإنسان وربه من الوساطة المتسلطة والمصلحة الدنيوية، فلم يكن هذا الخطاب سياسيًّا في لغته، لكنّه كان عميق الأثر في مضمونه، لأنّه أعاد تعريف دور المنظومة الحكمية من أساسها.
  3. فبطولة السيد المسيح تتجلّى في أنّه جاهد في إعلاء توحيد الله لا بالسيف ولا بالخصومة، بل بالكلمة والمثال، وكان يذكّر الناس بأنّ الله واحدٌ فرد صمد، هو الله هو القريب، لا يُحتكر من فئة  ولا يُشترى بالمال، وأنّ طاعته لا تمرّ عبر طبقة مغلقة ولا مؤسسة نخبوية متعالية، فهذا المعنى التوحيدي، الذي يربط الإيمان بالمسؤولية الأخلاقية، وهو ما جعل رسالته مقلقة للمنظومة الحكمية و النخبة اللاهوتية.

وقد أقرّ عدد من اللاهوتيين والرهبان المسيحيين المعاصرين بهذه الحقيقة التاريخية. فالراهب والعالم الكاثوليكي هانس كونج يؤكد في دراساته أن يسوع كان ابن تقليد توحيدي صارم، وأنّ دعوته كانت موجّهة إلى الله الواحد، لا إلى نفسه، وكذلك يذهب الباحث جيمس دون في أعماله إلى أنّ يسوع عاش ومات داخل أفق التوحيد التقليدي، وأنّ فهمه كداعية لعبادة نفسه هو تطور لاهوتي لاحق ليس مسؤول عنه، ولا تعبير لذلك عن رسالته الأصلية.

حتى في أكثر الدراسات عمقًا حول آلامه وصلبه، مثل عمل ريموند براون، يظهر المسيح بوصفه رجل إيمان ثابتًا، لم يتخلَّ عن دعوته لله الواحد، ولم يساوم على صدقها، رغم علمه بأنّ هذا الثبات سيُفسَّر سياسيًا كتهديد للدولة الرومانية.

وحين قُدِّم إلى الحكومة الرومانية، لم يُحاكم على ما دعا إليه من عبادة الله، بل العجب أنّه على تهمة سياسية صيغت عمدًا!، ومن ذلك ادعاء طلب الملك والحكم. وهكذا حُوِّل الجهاد الروحي إلى خطرٍ إداري، وصار الثبات على التوحيد سببًا في الإقصاء مع الأسف، ومع ذلك، لم يتراجع عليه السلام، ولم يبدّل لغته، ولم يطلب نجاة شخصية.

فبطولة السيد المسيح عليه السلام تكمن في هذا المقام الرفيع، أن يجاهد في سبيل الله بالكلمة الصادقة، وأن يواجه تحريف الدين بلا عداء، وأن يثبت على التوحيد في وجه سلطة تخشى الإنسان الحر، والفكر الحر،  ولم يكن انتصاره في نجاته الجسدية، بل في أمانته الكاملة لرسالته.

فهل هناك جهاد أعظم من أن يثبت الإنسان على توحيد الله، ويصون كرامة الإيمان، حين يصبح الصدق ذاته جريمة في ميزان القوة؟

 

شارك

مقالات ذات صلة