آراء
وقد أقرّ عدد من اللاهوتيين والرهبان المسيحيين المعاصرين بهذه الحقيقة التاريخية. فالراهب والعالم الكاثوليكي هانس كونج يؤكد في دراساته أن يسوع كان ابن تقليد توحيدي صارم، وأنّ دعوته كانت موجّهة إلى الله الواحد، لا إلى نفسه، وكذلك يذهب الباحث جيمس دون في أعماله إلى أنّ يسوع عاش ومات داخل أفق التوحيد التقليدي، وأنّ فهمه كداعية لعبادة نفسه هو تطور لاهوتي لاحق ليس مسؤول عنه، ولا تعبير لذلك عن رسالته الأصلية.
حتى في أكثر الدراسات عمقًا حول آلامه وصلبه، مثل عمل ريموند براون، يظهر المسيح بوصفه رجل إيمان ثابتًا، لم يتخلَّ عن دعوته لله الواحد، ولم يساوم على صدقها، رغم علمه بأنّ هذا الثبات سيُفسَّر سياسيًا كتهديد للدولة الرومانية.
وحين قُدِّم إلى الحكومة الرومانية، لم يُحاكم على ما دعا إليه من عبادة الله، بل العجب أنّه على تهمة سياسية صيغت عمدًا!، ومن ذلك ادعاء طلب الملك والحكم. وهكذا حُوِّل الجهاد الروحي إلى خطرٍ إداري، وصار الثبات على التوحيد سببًا في الإقصاء مع الأسف، ومع ذلك، لم يتراجع عليه السلام، ولم يبدّل لغته، ولم يطلب نجاة شخصية.
فبطولة السيد المسيح عليه السلام تكمن في هذا المقام الرفيع، أن يجاهد في سبيل الله بالكلمة الصادقة، وأن يواجه تحريف الدين بلا عداء، وأن يثبت على التوحيد في وجه سلطة تخشى الإنسان الحر، والفكر الحر، ولم يكن انتصاره في نجاته الجسدية، بل في أمانته الكاملة لرسالته.
فهل هناك جهاد أعظم من أن يثبت الإنسان على توحيد الله، ويصون كرامة الإيمان، حين يصبح الصدق ذاته جريمة في ميزان القوة؟




