مدونات
أحمد الياماني
في خضم التحوٌلات السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط النظام السوري، برزت إلى العلن تنظيمات مسلحة صغيرة تحاول ملء الفراغ عبر العنف والخطاب الطائفي. من بين هذه التنظيمات ما يُعرف بـ”سرايا أنصار السنة”، وهو اسم بدأ يتردد في المصادر المفتوحة ووسائل التواصل منذ مطلع عام 2025. هذا المقال لا يهدف إلى التهويل ولا التهوين، بل إلى تقديم قراءة نقدية تحليلية لطبيعة هذا التنظيم، وخطورته الفعلية، وحدود تأثيره.
تاريخ الظهور والعمليات المعلنة.
ظهر اسم “سرايا أنصار السنة” علناً في شباط/ فبراير 2025، عبر سلسلة بيانات نُشرت على تطبيق تلغرام. حاول التنظيم منذ البداية ربط اسمه بعملياتٍ عنيفة ذات طابعٍ صادم، أبرزها تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة بدمشق في حزيران/ يونيو 2025، وتفجير مسجد علي بن أبي طالب في وادي الذهب بحمص في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. إلا أنّ تبني العمليات لا يعني بالضرورة تنفيذها، خاصة في ظلّ تضارب المعطيات الأمنية.
القيادة والهيكل التنظيمي.
يعلن التنظيم عن قيادةٍ رمزية تضم شخصيات مثل “أبو عائشة الشامي” كقائدٍ عام، و”أبو الفتح الشامي” مسؤولاً شرعياً، إضافة إلى “أبو سفيان الدمشقي”. غير أنّ هذا الإعلان لا يعكس وجود بنية تنظيمية صلبة، إذ يعتمد التنظيم على نمط اللامركزية والخلايا الصغيرة، ويشجع على العمليات الفردية العشوائية، ما يعكس هشاشة تنظيمية أكثر ممّا يدل على قوة.
الانتشار والقدرة الفعلية.
تشير التقديرات الأمنية إلى أنّ عدد عناصر التنظيم لا يتجاوز العشرات، مع تحركات متفرقة في إدلب، وبعض مناطق الساحل، وحمص وريف دمشق، إضافة إلى ادعاءات بوجود خلايا في لبنان. هذا الانتشار المحدود يؤكد أنّ التنظيم لا يمتلك قدرة عسكرية منظمة، بل يعتمد على الضجيج الإعلامي أكثر من السيطرة الميدانية.
العداء الطائفي كأداة مركزية.
منذ نشأته، تبنى التنظيم خطاباً طائفياً حاداً، ركّز بشكلٍ خاص على استهداف الطائفة العلوية، وهدّد علناً مكونات أخرى كالدروز والإسماعيليين. هذا الخطاب لم يبقَ في إطار التحريض النظري، بل تُرجم إلى عمليات اغتيال وتخريب وحرق، استهدفت مدنيين، ما يكشف طبيعة التنظيم كفاعل فتنة أكثر منه طرفاً في صراع سياسي.
الجذور والعلاقة مع هيئة تحرير الشام.
تفيد المصادر بأنّ النواة الأولى للتنظيم تشكّلت في إدلب من عناصر ناقمة على هيئة تحرير الشام، بعد تخليها عن خطابها الجهادي التقليدي وتحوّلها السياسي. ومع انتقال الهيئة إلى دمشق وتبنّيها مسار الحكم، حاولت “سرايا أنصار السنة” استثمار غضب بعض العناصر المهمشة، مقدّمة نفسها كبديل “أنقى” أيديولوجياً.
من معارضة الهيئة إلى استهداف الدولة.
بعد سقوط النظام، تغيّر هدف التنظيم جذرياً. لم يعد الصراع مع هيئة تحرير الشام أولوية، بل تحوّل العداء نحو الدولة السورية الجديدة ورئيسها أحمد الشرع. يسعى التنظيم إلى ضرب صورة الدولة عبر استهداف المكونات الأهلية، لإظهارها عاجزة عن حماية مواطنيها، ودفع البلاد نحو انقسام أهلي دائم.
الخطاب الإعلامي والتناقض الأيديولوجي.
يعاني خطاب التنظيم من تخبط واضح؛ فهو يتأرجح بين لغةٍ دينية منمّقة، واقتباسات فقهية مبتورة، وأحياناً لغة عامية مبتذلة. كما يظهر تناقض صارخ في موقفه من تنظيم داعش، إذ يمدح قياداته تارة، ثمّ يسخر منهم تارة أخرى، في محاولة انتقائية لكسب جمهور متنوع من الغاضبين.
التضخيم الإعلامي والاستثمار في الخوف.
يسعى التنظيم إلى تضخيم صورته عبر الترويج لأيّ ذكرٍ إعلامي له، حتى لو كان نقدياً. وتشير معطيات رسمية إلى أنّ بعض العمليات التي تبنّاها، وعلى رأسها تفجير كنيسة الدويلعة، نفذها تنظيم داعش فعلياً، فيما اكتفى “أنصار السنة” بالاستثمار الدعائي.
تعامل الدولة والخلاصة.
تتعامل الدولة السورية مع التنظيم باعتباره خطراً أمنياً محدوداً لكنّه حساس، حيث جرى اعتقال عدد من عناصره، ورصد تحركات آخرين. الخطر الحقيقي لهذا التنظيم لا يكمن في حجمه، بل في قدرته على الاستثمار في الجراح الطائفية والغضب الشعبي. إنّ مواجهة هذا النوع من التنظيمات لا تكون أمنياً فقط، بل عبر عدالة انتقالية حقيقية، وضبط السلاح، وخطاب وطني جامع يمنع تحويل الخوف إلى وقودٍ للفتنة.

