مدونات

الحميّة بين الحق والهوى

ديسمبر 21, 2025

الحميّة بين الحق والهوى

رامة حمو

ترتبط الحمية بالتدافع لأنّ البشر يدفع بعضهم بعضاً في سبيل تحقيق بعض المكاسب المقصودة، فإنّ أجدر ما يمكن أن يُطلق من المفاهيم على التدافع هو مفهوم الحميّة. لكلٍّ منّا قضية في داخله، وكلٌّ يسعى لتحقيقها. فإن سعى الإنسان إليها كان ساعياً، وإن ظهرت في طريقه معضلة تحول بينه وبين مكسب قضيته، فواجهها وحاول حلّها، واستعان على ذلك بما ينفعه ويقف في صفّه، فهو بصفته يؤدي دور المحامي عن قضيته. 

اعتاد بنو البشر، باختلاف أعراقهم وأصولهم، على امتلاك أفكار وقضايا خاصة في مختلف تفاصيل الحياة وعلى مختلف الأصعدة. فتجد لكلّ إنسان فكرة تميزه، أو أسلوباً معيناً يتبعه في اتخاذ القرارات على أقل ترجيح، كطبعة خاصة يملكها دماغه ويعمل على أساسها في محاكمة الأمور. 

وتلك هي سنة الله في كونه؛ سنة الاختلاف، فتبعاً لها لا ريب ستختلف القضايا التي ينهمك بها الناس. هناك أنواع للاختلاف، وبمحاكمة عقلية سريعة أو منطق طبيعي، على الأقل برأيي، سأحاول استخلاص أهم الأسباب المؤدية لذلك التنوع في القضايا التي تشغل البشر. 

وفي الواقع، أساس الاختلاف ينشأ من البيئات التي يعيش فيها الناس تبعاً لبعض العوامل، منها: المنطقة الجغرافية التي يقطنها الناس، فعلى سبيل المثال، الفرد الذي يعيش في منطقة ساحلية رطبة المناخ ستختلف معضلاته عن آخر يعيش في مدينة ذات مناخ جاف أو في صحارى قاحلة. فالأمراض التي تنتشر في المناطق الساحلية، كالحساسية والربو، تختلف عن طبيعة الالتهابات التي تحدث في المناطق ذات المناخ الجاف. فهل المعطيات للمعضلة المتمثلة بمرض ناتج عن المناخ هي ذاتها؟ 

ومن العوامل اختلاف العوامل المتعلقة بالأسرة والمجتمع، فلكلّ مجتمع في أيّ بقعة من الأرض عاداته وتقاليده الخاصة، كما أنّ لكل منه عقيدته الخاصة أيضاً. فهل سيكون من السهل أن لا تتنوع القضايا التي تشغل العقول عندما تختلف العادات التي دخلت إليها منذ الصغر؟ وهل من السهل على الإنسان أن يعتقد اعتقاداً خاطئاً عن بيئته التي نشأ فيها، وإن لم تكن العادات المتبعة منطقية بالنسبة للمجتمعات الأخرى؟ ومن هنا نعود إلى أساس النقطة، فالمجتمعات تختلف، ومن ثمّ العادات والمعتقدات المتوارثة عبر الأجيال، فيتمسك كلّ جيل بما ورثه عن سلفه، وهكذا تتشكل نسبة من الأفكار لدى الأفراد.

 كذلك من العوامل اختلاف القضايا بحسب نوع الجنس، فعلى سبيل المثال، من أكثر الأمثلة انتشاراً وقدماً ونمطيةً؛ الرجل، عند انشغاله بأمور تتعلق بحماية الأسرة، لا شك سيكون مختلفاً عن زوجته المنهمكة في رعاية صغارها. وذلك على أقل مستوى للتعبير عن الاختلاف بين الذكر والأنثى، ولا ريب في أنّ الأمثلة كثيرة، إلا أنّ هذه لمحة سريعة عن الأسباب المحتملة للاختلاف. 

قبل التطرق إلى تفاصيل التنوع في المعطيات وما ربط ذلك بالحمية الإنسانية، أستحضر قول الله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بَعْضاً لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) البقرة -251-. ومن هذا، فإن الله عندما خلق البشر جعل من سنّته في الحياة الاختلاف، كما من سنّته التدافع، فتعود الأمور إلى نصابها عندما يكون النصاب هو الحق المتعلق بإرادة الله عز وجل. 

التنوع ينتج عنه الاختلاف، ومنه يأتي حس الحاجة إلى الدفاع عن فكرة يراها صاحبها حقاً. هذه الفكرة هي المحور، فصاحب الفكرة يملكها بنظرة أنّه المحق؛ والطرف الآخر على باطل، وذات الشيء بالنسبة للآخر. فيدفع كلّ صاحب حقّ نظيره الذي على باطل، ومن ثم يحصل التدافع في أرجاء الأرض، في صغائر الأمور وكبائرها، وتلك السنة مستمرة من الأزل إلى الأبد. 

في خضم هذا التنوع والتدافع، أين يكون الإنسان؟ ما الذي يسعى إليه؟ هل هو مجبر على الالتحاق بأحد أفرقة المتدافعين من الناس؟ أيّ الأفرقة سيختار؟ سعي الإنسان للحق، ما هو الحق؟ 

عندما خلق الله الأرض وجعل فيها الجن، اختلفوا وأفسدوا فيها، وأتبعهم بالإنس، وجاءت قصة الملائكة حين اعترضوا على أمر الله عزّ وجلّ، بقوله تعالى: (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) البقرة -30-. فإنّ أساس الاعتراض كان على تخوفات من إفساد الإنسان في الأرض، كما فعل نفرٌ من الجن من قبل. فكان ردّ الله تعالى: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة -30-. فالله عندما جعل الإنسان، قصده أن يكون خليفةً في الأرض، لغاية عظيمة، يُصلح ما أفسد من قبله، ويعمّر ما هلك. 

أراده لذلك، يحكم بشريعة الله ويمضي على هذا. وجعل الله شريعته لتنظم مسيرة الإنسان، ليكون طريقه واضح المعالم، ويعود إلى الخارطة الأصل كلما ضاعت عليه البوصلة المؤدية إلى سبيل الإصلاح والإعمار في الأرض. 

أمّا قصة الحق والباطل، والخير والشر، فبدأت حقاً في بني البشر عندما قتل قابيل أخاه هابيل. فلكل منهما كانت له أسباب ودوافع يواجه لأجلها. ذات القصة كانت تصلح لأن تكون خلافاً دون عراك، ولكن لعلها حكاية نُحتت في التاريخ القديم كي تكون نموذجاً عن قصة الخير والشر. 

كلّ منّا لديه أفكار يحاول الدفاع عنها، فهل الأفكار صالحة؟ وإن كانت كذلك، فهل طرق الدفاع عنها صالحة أيضاً؟ ما المعيار الذي يحدّد لنا مدى نقاء أساليبنا وأفكارنا، إن كنّا نختلف بقدر عدد ذرات الكون؟ عندما خلقنا الله وجعلنا خلفاء في الأرض، شرع لنا دستوراً نحيا به، ونحيا لإيصاله. فهل يوافق هذا الدستور ما نسعى لحمايته؟ وهل السبل التي نسلكها في سبيل ما نسعى إليه، كلُّها تعبر ضمن الدستور الإلهي؟ أم أنّ كلّ الطرق تؤدي إلى روما، أو أنّ الغاية تبرر الوسيلة، كما اعتقد ميكافيلي؟

الحميةُ، الحميةُ؛ ظللنا نردّدها ولم نجد لها أيّ سبيل في دقيق الوصف. هي كلمة تعبّر عن السعي لحماية قضية نؤمن بها، من الحماية، فحمى الشيء حمياً وحماية، منعه ودفع عنه. ويقال: حماه من الشيء، وحماه الشيء. وحامى من المحاماة؛ أي دافع عنه. والحميَّة بمعنى الأنفة والعزة، وردت في قوله تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) الفتح -26-. وهي المحافظة على المحرم والدين من التهمة. 

حمية الجاهلية تطرقنا إلى معنى الحمية، فلا بد من أن نذكر الصورة كاملة، أو نحاول استكمالها على أقل تقدير، عندما ذكرها عز وجل في القرآن، قال تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) الفتح -26-. 

كانت الحمية في ذلك الموقف تتعلّق بموقف سهيل بن عمرو حين رفض كتابة عبارة “بسم الله الرحمن الرحيم” واستبدلها بعبارة “باسمك اللهم”، وحال بين المسلمين وبين البيت الحرام. كما أنّه أبى أن يُكتب: “مِن محمدٍ رسول الله”، وردّ على ذلك بأنّه لو كان يؤمن بأنّه رسول الله لما حاربه، فكانت الحمية منه على ذلك، وهو على حقّ؛ حيث إنّه لم يكن ليحارب ابن قبيلته لولا اختلافهم في فكرة وعقيدة. 

كما أنّ ممّا ذمّه في ذكر حمية الجاهلية أنّها تعبّر عن الأنفة والاستكبار والاستعلاء عن قبول الحق. وخُصَّت كلمة الجاهلية بالذكر، حيث إنّ نوع الحمية الذي كان في هذا الموقف هو تمسُّك بصالح قبيلة يُنْتَسَب إليها. وبالفعل، كانت العرب في الجاهلية تنتمي وتنتسب قبلياً، ولا تقبل الخضوع لأعراف جديدة أو مختلفة بسهولة. وهذا كان موضع ذم لهم، حيث لا يعمل العقل في محاولات لقبول فكرة مختلفة على أنّها الحقّ، وقد لا تكون بالفعل، ولكن عدم المحاولة بحد ذاتها هو الخطأ. 

وفي أمر الرسالة، على وجه الذكر، وردت أحداث كثيرة عن من وردهم خبر رسول الله، فكّروا في عقولهم، وتوصّلوا بالفعل إلى أنّه رسولٌ بعثه الله، وكانت الدلائل كافية لكثيرٍ منهم. إلا أنّ حمية الجاهلية، إن أعدنا توصيفها بأنفسنا من جديد، فإنّها تصلح لتكون سبباً حال بينهم وبين الهداية. 

فها هو الوليد بن المغيرة قد عاد من عند رسول الله بعد أن سمع شيئاً من القرآن عنده، وكان في أرقّ أحوال الإنسان حين يكون متيقّناً من أنّ هذا هو الحقّ، ولا شيء غيره، كيف لا وهو سيّد في قومه وعزيز في أصله، يعلم الأشعار ورجزها. فكان على يقين بأنّ كلام محمد لا يشبه شيئاً منها. وهنا كانت تخوفات سادة قريش من فقدانهم أحد سادتهم ووجهائهم، فحاولوا أن يتسببوا بإعراض لديه عن الحق، أقنعوه بأنّه كلام سحر، إلا أنّه على علم؛ فلم يكن قليل الدهاء الذي لا يميّز بين هذا وذاك. وكان مُصِرّاً على أنّ كلام الله لا يشبه شيئاً ممّا عرف وسمع من البشر. 

حين أغلقت الأبواب لدى أبي جهل، لم يكن منه إلا أن حاول استمالة خاطر الوليد بعِرقِهِ القَبَلِيَّ، قائلاً: “أين أنت من سيادتك يا وليد؟ أتُفَكّك إرث الأجداد والآباء وتترك السبيل متاحاً لسلب القبيلة عظمتها؟”. فكان هنا تفكر ابن المغيرة، حيث حاول إيجاد طريق لحماية قبيلته من ذلك الرجل النبي الذي كان على علم بأنّه كذلك، ولكن حكم القبيلة كان يأبى عليه إلا أن يحامي على عُرْفِهَا، حتى وإن كان باطلاً. فوصّف النبي بأنّه ساحر بتعلله، قائلاً: “أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه!”، ليشيعه في قريش على ذلك الحال. فأعرض بإرادته عن الحق والحقيقة، رغم معرفته إياهما، حميّة منه، حميّة الجاهلية. فنزل فيه قول الله في سورة المدثر من الآية: “ذَرْنِي وَمَن خَلَقْتُ وَحِيداً (11)” إلى قوله تعالى: “إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ: إِنَّ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنَّ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)”. أمّا عن الوليد، فوأسفاه على حال سيّد بلغ من العظم ما بلغ، ولم يخنه دهاؤه في تمييز الحقّ من الباطل، ورقَّ قلبه له حتى بلغ ذروته، إلا أنّ العرق الجاهلي لديه لم يتركه وشأنه، فحال بينه وبين ابنه الذي لُقّب بسيف الله المسلول لأنّه كان سيف حقّ على رقاب من خالفوا أمر الله. 

وإنّ مما يراودني دوماً، هل تخلصنا من حميّة الجاهلية في داخلنا مع تطور العالم الحديث؛ أم أنّها ما تزال متأصلة؟ وهل نعترف بالحقّ إن عرفنا البوصلة إليه، أم أن رغبة إثبات الذات تغلبنا وإن لم نكن على صواب؟

شارك

مقالات ذات صلة