اقتصاد
تشكل نهاية مرحلة العقوبات وطيّ صفحة قانون قيصر لحظة مفصلية في المسار السوري، لا بوصفها خاتمة لأزمةٍ ممتدة منذ سنواتٍ فحسب، بل باعتبارها انتقالاً إلى طورٍ جديد تتبدل فيه طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين سوريا والعالم. فبعد سنواتٍ طويلة انشغل فيها النقاش الدولي بمنطق الضغط والعقاب، برزت اليوم حاجة ملحّة للانتقال إلى منطق مختلف، يقوم على البحث عن حلولٍ عملية قابلة للتنفيذ.
استمرار ضعف البنية التحتية والخدمات الرئيسية، لا ينعكس فقط على حياة السوريين اليومية، بل ينتج آثاراً تتجاوز الحدود، من الهجرة إلى عدم الاستقرار الإقليمي، لذلك بناء على هذه التغيرات، تعتبر عملية إعادة إعمار سوريا مسألة مهمة لاعتبارات سياسية واقتصادية وإنسانية وأمنية في آن واحد.
انطلاقاً من ذلك، تطرح هذه المرحلة سؤالاً مهماً يتمحور حول الإطار الأكثر عقلانية لتنظيم الجهد الدولي في ملف إعادة الإعمار بعد إلغاء قانون قيصر، فالخطوة التالية المنطقية لهذا التحول تتمثل في الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا، بوصفه أداة لتجميع الموارد، وضمان الشفافية، ووضع خريطة طريق شاملة تتيح إعادة بناء البنية التحتية، وخلق شروط الاستقرار، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة اللاجئين.
لماذا مؤتمر دولي؟ الإعمار لا يُدار بالمسارات الثنائية.
رغم التطورات السياسية الأخيرة، ما يزال التعامل مع ملف إعادة إعمار سوريا محكوماً بمنطق المبادرات الجزئية والمسارات الثنائية، سواء عبر مساعدات إنسانية متفرقة أو مشاريع محدودة النطاق تقودها جهات منفردة. غير أنّ طبيعة الدمار الذي أصاب البلاد، وتشابك أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، يجعل هذا الأسلوب غير كافٍ، بل مكلفاً على المدى المتوسط والطويل. فالإعمار في الحالة السورية ليس عملية تقنية معزولة، بل مساراً مركباً يتطلب تنسيقاً عالي المستوى ورؤية شاملة تتجاوز منطق الاستجابة المؤقتة.
إنّ حجم الدمار في البنية التحتية الذي اختلفت الأرقام حوله بين 250 وحتى 800 مليار دولار، واتساع رقعة الاحتياجات، وتفاوت الأولويات بين المناطق والقطاعات، يفرض إطاراَ قادراً على توحيد الجهود بدل تشتيتها. فالمسارات الثنائية، مهما بلغت أهميتها، تبقى خاضعة لحساباتٍ ضيقة، وتفتقر إلى آليات تنسيق تضمن التكامل بين المشاريع، أو تمنع الازدواجية والهدر. وفي غياب مرجعية جامعة، يتحوّل الإعمار إلى سلسلة تدخلات منفصلة لا تنتج أثراً بنيوياً مستداماً.
من هنا تبرز أهمية المؤتمر الدولي لإعادة الإعمار بوصفه أداة تنظيم لا منصة سياسية، فالمؤتمر لا يُقاس بقيمته الرمزية أو بعدد المشاركين فيه، بل بوظيفته العملية في جمع المانحين، والمؤسسات المالية الدولية، والفاعلين الاقتصاديين، ضمن إطار واحد يحدّد الأولويات، ويضع معايير واضحة للتدخل، ويربط التمويل بخطط متوسطة وطويلة الأجل. كما يتيح المؤتمر الانتقال من منطق “الدعم” قصير الأمد إلى منطق “الإعمار” بوصفه عملية تنموية متكاملة.
وعليه، فإنّ الدعوة إلى مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا لا تنطلق من فراغ بل تعبيراً عن إدراك أنّ إدارة مرحلة ما بعد العقوبات تتطلّب أدوات مختلفة. فالإعمار، دون مظلّة دولية منظمة، سيبقى عرضة للتشتت، وغير قادر على تشكيل قاعدة حقيقية للتعافي والاستقرار.
وظائف مؤتمر إعادة الإعمار: من التمويل إلى التخطيط والحوكمة.
لا تقتصر أهمية مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا على كونه منصة لحشد الموارد المالية، بل تتجاوز ذلك إلى كونه إطاراً ناظماً لإدارةٍ واحدة من أكثر عمليات الإعمار تعقيداً في العالم المعاصر. فالتحدي السوري لا يكمن فقط في حجم التمويل المطلوب، بل في كيفية توظيف هذا التمويل ضمن رؤية متكاملة توازن بين الحاجات العاجلة ومتطلبات التعافي طويل الأمد.
أولى وظائف المؤتمر تتمثّل في بلورة خريطة طريق وطنية للإعمار، تقوم على تحديد أولويات واضحة للقطاعات الحيوية، مثل الطاقة، والمياه، والنقل، والإسكان، والخدمات الصحية ،والتعليمية. ولا يقتصر الأمر على إعادة ترميم ما تهدّم، بل على ربط الإعمار بمسار تنموي يعالج الاختلالات البنيوية التي سبقت الأزمة، ويعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر كفاءة وقدرة على الصمود.
كذلك يشكّل المؤتمر أداةً لتنظيم التمويل الدولي، عبر الانتقال من منحٍ متفرقة ومشروطة زمنياً إلى برامج متعددة السنوات، تدار بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وتراعي القدرة الاستيعابية للاقتصاد المحلي؛ حيث إنّ هذا التنظيم لا يضمن فقط استدامة التمويل، بل يحدّ من الهدر، ويعزّز الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع المنفذة.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة الشفافية والحوكمة عنصراً حاسماً لنجاح أيّ جهد إعمار، فالمؤتمر يوفر منصة لتأسيس آليات رقابة ومتابعة واضحة، تقوم على مؤشرات أداء قابلة للقياس، وتقارير دورية، وفصل نسبي بين القرار الفني والتجاذبات السياسية. كما يفتح المجال أمام إشراك خبرات سورية من الداخل والخارج، والاستفادة من رأس المال السوري المغترب، بما يعزّز الملكية المحلية لعملية الإعمار.
عموماً من دون هذا الإطار المؤسسي الجامع، يبقى الإعمار عرضة لأن يتحوّل إلى إنفاق بلا رؤية، أو إلى مشاريع معزولة لا تنتج تحوّلاً حقيقياً. أمّا المؤتمر، إذا أُحسن تصميمه وإدارته، فيمكن أن يشكل نقطة ارتكاز لانتقال منظم من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التعافي.
الإعمار شرط للاستقرار وعودة اللاجئين والنازحين: لماذا لا يحتمل التأجيل؟
لا يمكن مقاربة ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه شأناً داخلياً أو إنسانياً فحسب، بل باعتباره شرطاً مركزياً لإعادة إنتاج الاستقرار، داخل البلاد وعلى مستوى الإقليم ككل. فسنوات الحرب الطويلة لم تخلّف دماراً عمرانياً واقتصادياً فقط، بل أنتجت إحدى أعقد أزمات اللجوء في العالم، وهي أزمة لا يمكن معالجتها بقرارات سياسية أو تفاهمات أمنية بمعزلٍ عن واقع العيش اليومي داخل سوريا.
إنّ الحديث عن عودة اللاجئين يظل نظرياً ما لم تعالج الشروط المادية الأساسية لهذه العودة، فلا عودة ممكنة دون مساكن صالحة، ولا دون خدمات أساسية كالمياه والكهرباء والتعليم والصحة، ولا دون حدّ أدنى من الفرص الاقتصادية التي تتيح للأفراد إعادة بناء حياتهم بكرامة. وفي هذا السياق، يشكّل مؤتمر إعادة الإعمار منصة عملية للانتقال من خطاب “العودة الطوعية” إلى سياسات واقعية تربط العودة بإعادة تأهيل البنية التحتية وخلق بيئة اقتصادية قابلة للحياة.
من زاوية أوسع شهدنا كيف أنّ وجود أيّ حالة تدهور في الأوضاع داخل سوريا لا يبقى محصوراً ضمن حدودها. فالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية تُصدّر آثارها إلى الدول المجاورة وأوروبا، سواء عبر موجات هجرة جديدة، أو عبر ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة. وعليه، فإنّ الإعمار لا يمثل عبئاً على المجتمع الدولي، بل استثماراً مباشراً في الاستقرار الإقليمي والأمن الجماعي، بكلفة أقل بكثير من إدارة أزمة مفتوحة.
أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ الإعمار يشكّل مدخلاً أساسياً لإعادة تشغيل الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل واسعة، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، فدون دورة اقتصادية حقيقية، يبقى التعافي هشاً، وتظل أسباب عدم الاستقرار قائمة.
بشكلٍ عام، تقف سوريا اليوم أمام لحظة انتقالية نادرة، لا تكمن أهميتها في طيّ صفحة العقوبات بحدّ ذاتها، بل فيما يترتب على ذلك من خياراتٍ ومسارات، فمرحلة ما بعد القيود الاقتصادية لا تدار بالانتظار ولا بالمبادرات الجزئية، بل تتطلب تصوراً واضحاً وأدوات قادرة على تحويل التحوّل السياسي إلى تعافٍ فعلي ومستدام.
وهنا تبرز إعادة الإعمار كأولوية لا تحتمل التأجيل، ليس فقط لإعادة بناء ما دُمّر، بل لإعادة تأسيس شروط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إنّ الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا تمثّل استجابة عقلانية لحجم وتعقيد التحدي القائم، بوصفه إطاراً تنظيمياً جامعاً ينسّق الجهود، ويضبط التمويل، ويؤسس لحوكمة شفافة ومسار تنموي طويل الأمد. فالمؤتمر، إذا أحسن تصميمه، يمكن أن يشكّل نقطة الانطلاق نحو الانتقال من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد التعافي. وعليه، فإنّ المؤتمر ليس مكافأة سياسية ولا مغامرة اقتصادية، بل خطوة ضرورية لتفادي استمرار أيّ تكاليف غير ضرورية، وتحويل لحظة التحوّل الراهنة إلى فرصةٍ حقيقية للاستقرار وإعادة البناء.



