مدونات

تل رفعت بين لذّة العودة وصدمة الواقع

ديسمبر 11, 2025

تل رفعت بين لذّة العودة وصدمة الواقع

هنا الشيخ

 

لم تكن تل رفعت مجرّد مدينة على خارطة الشمال السوري، بل كانت وطناً نابضاً بالحياة قبل أن تمزّقه سنوات الحرب. من ساحاتها التي شهدت أولى صيحات الحرية عام 2012، إلى شوارعها التي خنقتها رائحة البارود والدمار، تحمل المدينة في طيّاتها حكاية ألم وصمود

واليوم، بعد تحريرها من قبضة تنظيم PKK يعود أهلها محمّلين بالأمل، ليصطدموا بواقع لم يترك من مدينتهم سوى الركام. فبين فرحة العودة إلى الديار ومرارة ما خلّفته الحرب، تتجلّى المفارقة الكبرى: تل رفعت.. بين لذّة العودة وصدمة الواقع.

 

جذور حضارية ومسيرة ثورية.

تقع تل رفعت في ريف حلب الشمالي، وتحمل تاريخاً عريقاً يمتد عبر حضارات متعدّدة، مثل الرومان، الآشوريين، والآراميين. فقد أشار عدد من المؤرخين وعلماء الآثار إلى أنّ تل رفعت هي الموقع القديم للمدينة الآرامية أرفاد أو أرفاديا، والتي كانت عاصمة لمملكة بيت أغوشي في شمال سوريا خلال الألف الأول قبل الميلاد.

وكان هناك ملك يدعى “أرفاد” يحكم تلك المملكة، وكانت المدينة تُعد مركزاً سياسياً وثقافياً بارزاً آنذاك، وذُكرت في عدة مصادر آشورية. ومع مرور الزمن، تغيّر نطق الاسم تدريجياً حتى أصبحت تعرف بـ”تل رفعت”.

ومع انطلاق الثورة السورية، برزت المدينة كمعقلٍ للثوار الذين تصدّوا لمحاولات السيطرة عليها من قبل النظام الأسدي وتنظيم داعش، ومليشيات “قسد”.

 

من ثورة إلى نزوح (2012 – 2016)

مرّت المدينة خلال أعوام الثورة بعدّة مراحل من الاحتلال، وقدّمت تضحيات جسيمة من أبنائها، ففي نيسان 2012، شنّ النظام السوري هجوماً عنيفاً عليها، فاقتحم جنوده منازل المدنيين، وأضرموا فيها النيران، وارتكبوا مجزرة مروّعة راح ضحيتها 14 شخصاً من عائلة واحدة، مخلفين دماراً واسعاً وخسائر مادية ضخمة، اضطر كثير من الأهالي حينها إلى النزوح واللجوء إلى بلاد الجوار.

بين عامي 2013 و2014، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على المدينة، وفرض نفوذه على مناطق واسعة من الشمال السوري. لكن الجيش الحر، بدعم من أبناء  المدينة، قاد حملة عسكرية تمكّن خلالها من طرد التنظيم عام 2014، لتبقى المدينة محرّرة حتى عام 2016.

 

سنوات تحت ظلّ الاحتلال: قسد ومرحلة التهجير

في عام 2016، شنّت قوات “قسد” هجوماً واسعاً بدعم جوي روسي، وسيطرت على المدينة بعد معارك عنيفة مع فصائل الجيش الحر، قدّم فيها أبناء المدينة نحو 53 شهيداً، كما نزح ما يقارب 250 ألف مدني من تل رفعت وجوارها.

ورغم قساوة التهجير، ظلّ الأمل حيًّا في قلوب الأهالي، فعندما أطلقت تركيا بالتعاون مع الجيش السوري الحر عملية عسكرية ضد الوحدات الكردية عام 2018، اعتقد أبناء تل رفعت أن لحظة العودة اقتربت. انضم العديد من شباب المدينة إلى المعركة، آملين استرجاع ما سُلب منهم، ووفاءً لتضحيات رفاقهم. لكنّ العملية لم تشمل تحرير المدينة فخيّمت خيبة الأمل على الأهالي، خصوصاً أنّ معظمهم كان يعيش في خيام، بلا مأوى أو مصدر رزق.

استمرّ احتلال “قسد” لتل رفعت 7 سنوات، ظلّ خلالها الأهالي يناظرون “التل” من بعيد، متسائلين: متى العودة؟ متى تعود الروح وتُرد الديار؟

 

عودة محفوفة بالوجع: بين الركام والألغام

مع العودة إلى المدينة، فوجئ الأهالي بحجم الدمار والإهمال، فقد تعرّضت تل رفعت خلال سنوات الاحتلال لتهميشٍ متعمّد، دُمّرت فيه مدارسها، ومستشفياتها، ومراكزها الثقافية، ولم تكتفِ “قسد” بذلك، بل حفرت عدداً كبيراً من الأنفاق، ما ألحق ضرراً بالغاً بالبنية التحتية وما يزال عدد هذه الأنفاق مجهولًا حتى اليوم.

كما زُرعت الألغام في معظم الأراضي الزراعية، ما أدى إلى وفاة عددٍ من المدنيين بعد التحرير، وأصبح التهديد دائماً، سواء من لغم مجهول أو بيت مفخخ. وتحوّلت الزراعة التي تشكّل مصدر المعيشة الرئيسي للأهالي إلى مخاطرة لا يُستهان بها، إذ باتت الأرض غير صالحة للعمل، والحياة معلّقة بين الخوف واليأس، رحلت قسد لكن آثارها ومخلفاتها ما تزال تفتك بالمدينة.

 

تل رفعت في مرآة الأمل: هل عادت الحياة إلى المدينة

رغم المشهد القاتم وصدمة الواقع الذي واجهه أهالي تل رفعت بعد سنوات التهجير والدمار، لم يكن ذلك سبباً لكسر إرادتهم. فقد بدؤوا، بإمكاناتهم الفردية، في بثّ الروح مجدداً في مدينتهم حيث أقيمت حملة لإنارة الطرقات كما أعادوا فتح البازارات، وانطلق بعض المختصين في إزالة الألغام من أراضي المدنيين لتعيد إصلاحها للزراعة مجدداً، خطوة بخطوة نحو الأمل وضعوا أهالي المدينة أولى نقاط الحياة، فهذه المبادرات ليست فقط دليلاً على التمسك بالحياة، بل أيضاً رسالة واضحة بأنّ تل رفعت لن تبقى تحت الركام الذي خلفه النظام الأسدي والقسدي.

ومع ذلك، تبقى المطالب قائمة بتوفير الأمان للعائدين وإعادة الإعمار للمدينة فقد باتت بيوتها حجارة وركاماً، تأمين البنية التحتية، وتوفير الدعم الكافي للعودة الكاملة كترميم المدارس والمستشفيات والمراكز الثقافية. وبين الأمل والعمل، ينسج الأهالي مستقبلهم بإصرار، منتظرين أن تلاقي جهودهم المتفانية استجابة تليق بحجم تضحياتهم التي قدّموها طيلة السنوات السابقة.

فالتضحيات العظيمة لا بدّ أن تقابلها نهاية تليق بها، نهاية تحمل السلام، والكرامة والعودة الكاملة إلى حضن الوطن.

شارك

مقالات ذات صلة