تكنولوجيا

ردع العدوان.. حين حسمت السماء المعركة

ديسمبر 7, 2025

ردع العدوان.. حين حسمت السماء المعركة

 

قبل عامٍ واحد فقط، كانت خريطة السيطرة في سوريا تبدو، للوهلة الأولى، جامدة وثقيلة الحركة؛ نظام بشار الأسد ما يزال جالساً على كرسي الحكم رغم سنوات الانهيار الاقتصادي والإداري والعسكري، ومعارضة متعبة ومحاصرة في جيوبٍ شمالية محدودة. لكن في أواخر عام 2024، وخلال أيام قليلة، تغيّر كلّ شيء. لم يكن الانقلاب المفاجئ في ميزان القوى نتاج حدث سياسي أو تراجع دعم خارجي للنظام فقط، بل نتيجة دخول سلاح جديد إلى المعركة: مسيرات “الشاهين”، الطائرات التي طورتها فصائل المعارضة السورية سراً لسنوات، ثم ظهرت فجأة في عملية “ردع العدوان” لتعلن بداية مرحلة عسكرية غير مسبوقة.

فقد كانت “شاهين” -باختلاف نماذجها الانتحارية والقتالية والاستطلاعية- أحد أثقل العوامل تأثيراً في انهيار قوات النظام خلال العملية العسكرية، وصولاً إلى السقوط الكامل للنظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024. وبينما كانت المعارك البرية تتقدّم بشكلٍ متسارع، كانت المسيّرات تحلّق فوق خطوط الاشتباك، تكشف وتضرب وتراقب، وتفتح الطريق أمام وحدات المعارضة لتحقيق تقدم لم يشهده الشمال السوري منذ سنوات.

 

ولادة سلاح جديد: “شاهين” من السرية إلى العلن.

 لم تكن “شاهين” مجرّد طائرة مسيّرة تمّ تعديلها أو نموذجاً جاهزاً اُسْتُورِد، بل مشروعاً محلياً امتد على سنوات داخل ورش صغيرة متنقلة وفي بيئاتٍ معقّدة. فصائل المعارضة، وعلى رأسها مجموعات هندسية داخل هيئة تحرير الشام، طوّرت مزيجاً من: منظومات تصوير حرارية وبصرية. قدرات طيران منخفض لا ترصده الرادارات. أنظمة اتصال مموّه. آليات توجيه دقيقة. وحمولات تفجيرية صغيرة ومتوسطة، إذ تمت حماية المشروع بدرجة عالية من السرية حتى داخل الفصائل نفسها، بحيث لم يعرف بوجوده إلا نطاق محدود من القيادات والخبراء.

الرائد الطيار يوسف حمود يصف هذه المرحلة قائلاً لمنصة سطور: “سابقاً قبل معركة ردع العدوان كان سلاح المسيّرات لدى القوات المعارضة السورية. لم يكن هذا ظاهراً إنّما هو مخفي. لذلك نجحت القوى العسكرية بإخفاء موضوع الطيران المسير ومدى الجاهزية ومدى التطور الذي وصل له، حتى وصلوا لطائرة الشاهين واستخدام السلاح الجديد”.

هذه السرية كانت جزءاً أساسياً من نجاح السلاح في لحظاته الأولى، حيث واجه النظام السوري  ومعه الروس والإيرانيون سلاحاً لم يسبق أن رصدوا أثره أو أدركوا مستوى تطوره، ما أدى إلى حالة صدمة وارتباك ميداني سريع.

 

مهام “شاهين”: عين في السماء وذراع نارية حاسمة.
الاستطلاع والمراقبة: اعتمدت غرف عمليات المعارضة على “شاهين” في: تحديد مواقع قوات النظام بدقة. مراقبة خطوط الإمداد. نقل الصور المباشرة لقادة العمليات ورسم خرائط ديناميكية لحركة القوات. ويشرح الرائد حمود القيمة العملياتية لهذا الدور قائلاً: “الطيران المسيّر يؤدي ويساعد على سرعة عملية الاستطلاع وجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات، ممّا يؤدي إلى سرعة تحليل المعلومات واتخاذ القرار وقيادة المعركة بنجاح”.

الإسناد الناري وتوجيه الضربات: أدت “شاهين” دوراً محورياً في توجيه مدفعية المعارضة وقواتها البرية، حيث كانت المسيّرات تحدد: مواقع المدفعية الثقيلة، نقاط القيادة.، تجمعات القوات، والتحصينات الأمامية، الأمر الذي سمح للقوات البرية بالتقدم بوتيرة عالية وغير متوقعة.

المسيّرات الانتحارية: كانت بعض نماذج “شاهين” مخصصة للانقضاض المباشر على الأهداف، سواء كانت: دبابات. عربات مدرعة. نقاط مراقبة، ومستودعات ذخيرة، ورغم صغر حجمها، إلا أنّها امتلكت قدرة على التخفي ودقة إصابة عالية.

إسقاط الذخائر: نماذج أخرى من “شاهين” حملت قنابل صغيرة تُلقى من الهواء فوق التجمعات أو التحصينات، ما جعلها أداة فعّالة في الهجمات الموضعية.

الحرب النفسية: في أكثر من محور، استُخدمت “شاهين” لإلقاء مناشير على نقاط النظام والمليشيات الإيرانية، ما خلق حالة من الارتباك والرهبة لدى الجنود الذين كانوا يشعرون أنّ أعيناً غير مرئية تراقبهم باستمرار.

 

كيف أثّرت “شاهين” على مجريات معركة “ردع العدوان”؟
المفاجأة الكاملة.. الضربة الأولى.

مع الساعات الأولى من عملية “ردع العدوان”، كانت “شاهين” تحلّق فوق مواقع النظام دون أن تتمكن منظومات الدفاع الجوي من رصدها. يصف حمود هذه اللحظة قائلاً: “يعتبر تحقيق عنصر مفاجئة في المعركة ما أدى إلى خلخلةٍ وارتباك في صفوف العدو الخصم. كان متميزاً على فعالية عالية”.

ضرب شبكات الرادار والمطارات: ضمن الاستراتيجية العسكرية للعملية، قامت مسيّرات “شاهين” بـ: ضرب محطات الرادار. استهداف مطارات عسكرية رئيسية. تعطيل منظومات الدفاع الجوي، وتنفيذ ضربات عميقة وصلت إلى محيط قاعدة حميميم.

ويقول حمود:”الشاهين استهدفت العديد من محطات شبكات الرادار، واستهدفت العديد من المطارات العسكرية، وصولاً حتى قاعدة حميميم”. 

الانهيار السريع للمليشيات الإيرانية: كانت الميليشيات الإيرانية العمود الفقري لقوات النظام على الجبهات. لكن “شاهين” أدت دوراً حاسماً في انهيارها السريع، حسب وصف حمود: “المليشيات الإيرانية لم تستطع الصمود على خطوط الجبهات الأولى. الطيران المسير (الشاهين) سارع جداً في عملية انهيار هذه المليشيات من خلال دقة الأهداف والعدد الكبير الذي غطى كافة الجبهات”.

تكامل بين السلاح والتكتيك: ما ميّز استخدام “شاهين” لم يكن التفوق التقني فقط، بل القدرة على دمجها في منظومة عمليات متكاملة: غرف عمليات متطورة. اتصالات مؤمنة. سرعة في اتخاذ القرار، وتنسيق عالٍ بين القوى البرية والجوية، وقد استطاعت قوات المعارضة لأول مرّة أن تعمل بمستوى تنظيم شبيه بالجيوش النظامية.

تفكك بنية النظام.. من جيش إلى مليشيا منهارة: يشير حمود إلى أن انهيار النظام لم يكن نتيجة “شاهين” فقط، بل نتيجة مسار طويل من التفكك البنيوي، حيث يقول: “النظام انتقل خلال 14 عاماً من حالة عسكرية منظمة إلى مليشيا منهارة”.

كما يوضح أنّ الأجهزة الأمنية التي طالما اعتمد عليها النظام كانت غارقة في الفساد والابتزاز: “هذه الأفرع تحوّلت إلى أفرع مرتشية تبحث عن الثروة أحد أسباب قيام الثورة”.

ويضيف أنّ القرار الحقيقي للأمن والدفاع الجوي كان بيد الروس والإيرانيين، لا السوريين، وهو ما جعل النظام عاجزاً أمام الضربات الواسعة والدقيقة لـ”شاهين”.

 

لماذا كانت “شاهين” عاملًا حاسمًا؟
لأنّها أعادت المعارضة إلى سماء المعركة: لسنوات، كانت السماوات حكراً على طيران النظام والروس، ما تسبّب بخسائر كبيرة للمعارضة. أمّا “شاهين”، فقد كسرت هذا الاحتكار، وفتحت نافذة للمعارضة لتوجيه ضربات جوية دقيقة دون امتلاك طائرات حربية.

لأنّها جعلت القرار العسكري أسرع: مع تدفق الصور والمعلومات المباشرة: صارت المعركة ديناميكية، وصار التقدّم على الجبهات أكثر مرونة وصار النظام مكشوفاً بشكلٍ كامل.

لأنّها ضربت “مراكز الثقل” للنظام:  استهدفت “شاهين” الرادارات، المطارات، خطوط الإمداد، مراكز القيادة، ووحدات المدفعية، وكلها نقاط كانت تشكّل عناصر حماية للنظام لسنوات.

لأنّها جاءت في لحظة انهيار: النظام كان -وفق حمود- في أسوأ حالاته، مع تراجع الدعم الإيراني، وانشغال روسيا بحساباتٍ دولية، ما جعل ظهور سلاح فعال مثل “شاهين” بمثابة الضربة الأخيرة.

 

“شاهين”.. الطائر الحديدي الذي أسدل ستار مرحلة كاملة.

بعد مرور عام على سقوط بشار الأسد، لم تعد مسيرات “شاهين” مجرّد سلاح نجح في عملية عسكرية، بل أصبحت رمزاً لتحول كامل في طبيعة الحرب السورية. فقد أثبتت أنّ القوة النوعية -مهما كانت بسيطة في شكلها أو محلية في صناعتها- تستطيع أن تقلب موازين حرب طويلة.

لقد حقّقت “شاهين” تفوقاً في السماء، اختراقاً في الميدان، إرباكاً في صفوف النظام وحلفائه، وكانت أحد أهم العناصر التي عجّلت بانهيار منظومته العسكرية والأمنية خلال معركة “ردع العدوان””.

وإذا كان هذا الطائر الحديدي قد أدى دوراً في إسقاط النظام، فإنّه، وفق المؤشرات الحالية، سيظل جزءاً من معادلات الأمن والدفاع في سوريا الجديدة، بما يمثله من تجربة هندسية وعسكرية فريدة خرجت من قلب المعارك وظروف الحصار.


المسيرات التي أعادت تعريف المعركة وأسقطت النظام.

أحدث دخول المسيّرات إلى ساحة القتال تحولاً نوعياً في ميزان القوى داخل سوريا، بعدما نجحت في كسر احتكار النظام للتفوق الجوي الذي اعتمد عليه لأكثر من عقد. فقد منحت هذه التقنية الفصائل المعارضة قدرة غير مسبوقة على الرصد اللحظي وجمع المعلومات وتنفيذ ضربات دقيقة منخفضة التكلفة، الأمر الذي شلّ حركة قوات النظام وأفقده القدرة على المناورة، وجعل خطوطه الخلفية ومراكزه القيادية مكشوفة للاختراق. 

ومع استهداف المطارات العسكرية ومستودعات الوقود والرادارات، فقد النظام أفضلية كان يعتبرها ثابتة ومضمونة، ليدخل للمرة الأولى ساحة حرب لا يمتلك فيها التفوق الذي اعتاد عليه.

في الوقت نفسه خلقت المسيّرات واقعاً نفسياً جديداً داخل قوات النظام، وأجبرت جنوده وضباطه على العمل تحت تهديد دائم من السماء. الضربات المتكررة على مركبات القادة ومقارّ الأجهزة الأمنية ونقاط التفتيش زرعت حالة من الرعب وعدم اليقين، وأسقطت صورة “الهيبة” التي شكّلت عماد سلطة النظام السابق لعقود. ومع الوقت تحولت هذه الضربات إلى حرب استنزاف منهجية عطّلت مخازن الذخيرة، وقطعت طرق الإمداد، وأفقدت الوحدات العسكرية القدرة على الحفاظ على اتصال مستقر بغرف القيادة، ما أدى إلى تراجع الانضباط وظهور انشقاقات صامتة في جسد النظام.

بلغ هذا التآكل ذروته في معركة “ردع العدوان”، حين امتلكت المعارضة تفوقاً معلوماتياً كاملاً بفضل مسيّراتها، بينما كان النظام يقاتل بلا رؤية عملياتية واضحة. وعندما سقطت خطوط الدفاع الأولى، تتابع الانهيار كأحجار الدومينو، بعدما عجزت القيادة المركزية عن إدارة الفوضى تحت ضغط الضربات الجوية الدقيقة. ومع انكشاف هشاشة الأجهزة الأمنية وتراجع قدرتها على ضبط الداخل، فقد النظام آخر ركائزه لتتحوّل المسيّرات من مجرّد سلاح داعم إلى عامل استراتيجي شكّل الضربة الحاسمة التي أنهت مرحلة كاملة من تاريخ سوريا وفتحت الباب أمام واقع جديد تشكله التكنولوجيا أكثر ممّا تشكّله الجيوش التقليدية.

شارك

مقالات ذات صلة