مدونات
أسماء البري
نرتقب فجر التحرير بآلامٍ وآمالٍ لا يعرفها إلا من كان حراً منذ البداية. الخيام التي تركها أصحابها خلفهم وهم عائدون ليبنوا أخرى فوق ركام منازلهم. أمُّ الشهيد التي ودّعت فلذة كبدها في سبيل وطنٍ سُلِب منها، واليوم تتساءل ما هو شعورها حين يصبح الوطن حراً؟ والمغترب الذي تعود بلاده ولا يعود بيته ولا قوته، لكنّه، رغم كلّ شيء، ما زال يحمل الوطن في قلبه قبل عينيه ما شعوره؟
في ذكرى النصر، تقف القلوب الحرة على جسرٍ يمتد بين ما كان وبين ما سيكون. إنّها لحظة لا تشبه أيّ لحظةٍ في تاريخ السوري، لحظة يختلط فيها الفرح بالدمع، والفخر بالألم، وتنهض فيها الذكريات كأنّها شهود أحياء على طريقٍ طويلٍ من الصمود. النصر بالنسبة للحرّ ليس حدثًا عابرًا، بل ولادة جديدة، وعودة إلى معنى الإنسانية الذي حاول الظلم طويلاً أن ينتزعه.
شعور الحرّ في هذه الذكرى هو امتداد لسنواتٍ من العناد الجميل. هو شعور من جرّب الخوف لكنّه لم يستسلم له، ومن عرف الظلم لكنّه آمن بأنّ العدالة، مهما تأخرت، لا بدّ أن تعود. في ذكرى النصر، يشعر الحرّ أنّه لم يحمل ثورةً فقط، بل حمل قيمًا وأحلامًا وذاكرةً كاملة في قلبه.
أمُّ الشهيد، تلك التي علّمت العالم معنى التضحية دون أن تنطق بكلمة، تشعر في هذه الذكرى بشيء لا يُقاس. كأنّ روح ابنها تعود لتجلس قربها وتطمئنها: “لم نذهب عبثًا يا أمّاه.” تشعر بأنّ دموعها التي سالت في الصباحات الباردة لم تكن بلا جدوى، وأنّ صوتها الذي انكسر وهو يودّع أغلى ما يملك، صار اليوم جزءًا من صوت الوطن وهو يستعيد نفسه. فرحها ممزوج بوجعٍ عميق، لكنّها تعلم أنّ الأوطان لا تولد من جديد إلا من رحم التضحيات.
أمّا من عاش في الخيمة، يتنقل كلّ عام من أرضٍ إلى أخرى، وقد كان له بيت يعرف تفاصيل طفولته وأحلامه، فشعوره في ذكرى النصر يشبه عودة الروح إلى جسدٍ مُتعَب. يشعر بأنّه لم يكن مجرّد نازح، بل شاهد على قدرة الإنسان على النهوض رغم الانكسارات. يتذكر ليل المخيمات، بردها، وجوعها، وصوت المطر يضرب القماش الرقيق فوق رأسه، لكنّه يتذكر أيضًا أنّه لم ينسَ لحظة واحدة أنّه ينتمي لوطن، وأنّ هذه الخيمة لم تكن قدره، بل محطة على طريق العودة.
والمغترب… الذي حمل شهادته وذكرياته وحزنه، وألقى بنفسه في بحر الاغتراب كي ينجو، يشعر في هذه الذكرى بأنّ الغربة لم تنتصر عليه. حتى وإن عاد ولم يجد بيته، أو عاد ولم يجد من كان ينتظره، فإنّ مجرّد رؤية بلاده تستعيد أنفاسها يمنحه معنى جديدًا لحياته. هو يعرف أنّ الوطن ليس جدارًا ولا غرفةً ولا شارعًا، بل هو إحساسٌ داخلي لا يمكن للمسافات أن تقتله. في يوم النصر، يعود إليه الوطن ولو كان بعيدًا.
وفي ذكرى النصر، ماذا يقول القلب الحر؟
يقول إنّه تعب لكنّه لم ينهزم، وإنّه تألم لكنّه لم يفقد إيمانه، وإنّ الطريق التي بدأت بالهتاف ستنتهي بالسلام. يقول إنّ الثورة لم تكن صرخة غضب، بل كانت بحثًا عن كرامة الإنسان، وإنّ النصر الحقيقي ليس في استعادة الأرض فقط، بل في استعادة الروح التي حاول القهر طمسها.
القلب الحرّ يقول إنّ سوريا التي عرفناها، والتي حلمنا بها، والتي انتظرناها، قادمة لا محالة. وإنّ كلّ جرحٍ، وكلّ دمعة، وكلّ خطوة هرب، وكلّ ليلة خوف، تتحوّل اليوم إلى لبنة في بناء فجرٍ جديد.
في ذكرى النصر، يقول القلب الحرّ جملة واحدة تختصر كل المشاعر: لقد عدنا، ولو متعبين… لكنّنا لم ننسَ واجهة الطريق أبداً.

