مدونات
بيان الأشمر
من الطبيعي جدّاً أن لا ينطفئ غضب الشعب السوري طالما أنّ موضوع المعتقلين والمفقودين لم يتم التحقيق فيه بعد، لا سيما أنّ هناك آلاف العائلات السورية فيها فقيد واحد على الأقل. ولكن هل فعلاً لم تبذل الحكومة السورية بعد جهداً وخطواتٍ عمليّةٍ في ذلك؟
أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا محمد رضا جلخي: “أن عدد الأشخاص الذين فُقدوا خلال عقود من حكم عائلة الأسد وفترة الحرب التي أعقبت الثورة قد يتجاوز 300 ألف شخص”.
حيث سُجّل 32 ألفاً و456 اسماً موثقاً لشهداء سجون الأسد انتشرت على دفعات بعد سقوط النظام، من قضوا تحت التعذيب أو بالإعدامات الميدانية، إضافة إلى محالين إلى محاكم الميدان العسكرية، وذلك منذ عام 2011 وحتى 2020. وتشمل القوائم سوريين من مختلف المحافظات، إلى جانب فلسطينيين وأردنيين، ما يعكس اتساع رقعة الجريمة وتحولها إلى سياسة منهجية.
الوثائق تكشف المسار الرسمي للجثث: من الشرطة العسكرية إلى مشفى حرستا، ومن شعبة المخابرات “الوحدة 215” إلى برادات الموت، ومن مليشيات “الدفاع الوطني” وصولاً إلى محكمة الميدان العسكرية الثانية. تسلسل يوضح كيف تحوّلت مؤسسات النظام إلى حلقاتٍ متكاملة في ماكينة قتل واحدة.
وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، قالت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش إنّ تحديد مصير الذين فُقدوا خلال الحرب سيكون مهمة هائلة من المرجح أن تستغرق سنوات.
ما عملية العدالة الانتقالية؟ وما مسارها في سوريا؟
العدالة الانتقالية هي مجموعة من التدابير القانونية وغير القانونية لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، عبر المساءلة القضائية، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
أوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في مقال نشره موقع “الجزيرة نت“، أنّ العدالة الانتقالية هي مجموعة من العمليات والآليات التي تعالج عبرها المجتمعات إرث الانتهاكات واسعة النطاق، فيما يفهم السلم الأهلي على أنّه حالة من الانسجام والتعاون تتجاوز مجرّد غياب العنف. ويكشف هذا الإطار المزدوج عن تكاملات عميقة وتوترات متأصلة.
وقد قال فضل عبد الغني أيضاً: إنّ العلاقة بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، تمثل أحد أعقد تحديات ما بعد الصراع، ولا سيما في السياقات التي تتقاطع فيها مطالب المساءلة مع ضرورات الاستقرار وإعادة البناء الاجتماعي؛ وفي الحالة السورية، وبعد أكثر من 14 عاماً من صراع اتّسمت بانتهاكات منهجية وتشظٍ مجتمعي، يكتسب هذا التقاطع أهمية خاصة.
وفي سياق ذلك أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً في شهر أيار/ مايو الماضي بتشكيل لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حيث يتضمن المرسوم تركيبة اللجنة التي تضم 13 عضوا، بينهم رئيسها عبد الباسط عبد اللطيف ونائبته زهرة نجيب البرازي.
ونص القرار الرئاسي على أن يباشر أعضاء لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مهامهم فورا، على أن يتم توزيع المهام وفق النظام الداخلي للهيئة. بحيث تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا.
ما التنسيق بين الهيئة الوطنية للمفقودين وبين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية؟
لقد تمّ التنسيق بين الهيئة الوطنية للمفقودين مع مسار العدالة الانتقالية، حيث قال جلخي إنّ “هناك تنسيقاً مستمراً بين الهيئتين فيما يخص ملف المفقودين”، وتتولى هيئة المفقودين مساري التوثيق والدعم لعائلات المفقودين، أمّا هيئة العدالة الانتقالية فهي مسؤولة عن مسارات أخرى ترتبط بالعدالة والمحاسبة وجبر الضرر وغيرها.
وقد فصّل جلخي أنّ: ولاية الهيئة تغطي الفترة الزمنية منذ عام 1970 وحتى اليوم، ولا مدة محددة لإنجاز عملها.
خطة عمل الهيئة للانطلاق الفعلي على الأرض تتكون من 6 مراحل تستمر لمدة بين 3 و 6 أشهر، لدينا خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا، وتقديراتنا لعدد المفقودين تتراوح بين 120 و 300 ألف شخص، وقد يتجاوز ذلك بسبب صعوبة الحصر.
وذكر أيضاً عدم وجود إحصاء رسمي أو أرقام دقيقة حتى الآن لأعداد المفقودين والمفقودات. وقال إنّ الأرقام المتداولة هي “تقديرات وتوثيقات من عدد من المنظمات التي عملت في السنوات الماضية على هذا الملف”، وأضاف أنّ بناء “قاعدة بيانات وطنية موحدة لكلّ المفقودين” تتطلب وقتاً.
أكّد أنّ الهيئة قد تلقت دعماً من دول معينة للمساعدة فيما يخص اختبارات الحمض النووي، قال جلخي إنّ الهيئة تلقَّت عروضاً للتعاون والتنسيق بخصوص تقديم تقنيات أو تجهيزات تتعلق بمخابر الحمض النووي من بعض الجهات .
وفيما يتعلق بالتمويل قال إنّ الهيئة “سوف تكون لها ميزانية مخصصة من الحكومة السورية وهي أيضاً منفتحة على تلقي الدعم من أي جهة مهتمة بدعم هذا الملف، على أي صعيد”.
وفي جلسة حوارية عُقِدَت من قبل مؤسسة اليوم التالي في السادس عشر من شهر تشرين الثاني ، قد تحدّثت فيها الناشطة والصحفية السورية زينة شهلا والتي كانت ممثلة عن الهيئة الوطنية للمفقودين: “أن إطلاق المنصّة الوطنية سيكون قريباً ، ليتم تسجيل بيانات المفقودين وسيتم البحث في السجلات وسيتم التنقيب في المقابر علماً أنّنا الآن لا نملك الإمكانيات لفتحها”
وأكملت زينة: “أنّه تمّ التوقيع على عقد في آخر شهر آب مع منظمات لصب بياناتهم في البيانات الوطنية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأنّ الهيئة الوطنية للمفقودين ستفتح سبع مراكز في سبع محافظات”.
بينما تحدّثت الدكتورة زهرة البرازي مستشارة العدالة الانتقالية في الخارجية السورية في هذا الحوار قائلة: “إن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تتألف من ستة لجان؛ لجنة المحاسبة الجنائية متخصصة بالتحقيق وقد تمّ وضع مسودة لها ، ولجنة جبر الضرر، ولجنة المصالحة والسلم الأهلي، ولجنة حفظ الذاكرة ولجنة كشف الحقيقة، ولجنة إصلاح المؤسسات”.

