مدونات
محمد عبد الحميد السطم
مرَّ ما يقارب العام منذ سقوط نظام الأسد في سوريا، وتقدّمت الحكومة السورية الجديدة بخطواتٍ أولى لإعادة الانفتاح العربي والإقليمي. ورغم هذا التحوّل الكبير، تبدو العلاقة بين القاهرة ودمشق بطيئة ومتحفّظة، بل أحياناً مشوبة بالتوتر. في حين انفتحت أغلب العواصم الإقليمية والدولية على سوريا، تتّخذ القاهرة موقفاً حذراً، يعكس تراكمات سياسية وإعلامية وتاريخية، فضلاً عن حسابات استراتيجية دقيقة.
تلجأ مصر إلى التريث في التعامل مع الأنظمة الجديدة، خصوصاً بعد تجربة الربيع العربي التي أثبتت هشاشة بعض التحوّلات الثورية. لذلك يبدو أنّ القاهرة لا ترغب في الانخراط المبكر قبل أن تتضح ملامح الحكومة السورية الجديدة واستقرارها، وأنّها تحرص على ألا تُظهر اندفاعاً قد يُفسّر داخلياً أو إقليمياً على أنّه دعم لمشروع ثوري لم تجرب مصر نظيره من قبل. فالحكومة السورية الحالية خرجت من رحم ثورة شعبية، وهذا النموذج يثير حساسية القاهرة التي تميل إلى الاستقرار المؤسسي على التغيير الثوري. فالتاريخ المصري شهد كيف أنّ بعض الثورات الشعبية أدت إلى فوضى وأزمات طويلة، لذا فإنّ أيّ نجاحٍ مفاجئ للنظام السوري الجديد يُنظر إليه بعين الريبة والانتظار. ويضاف إلى ذلك الخلفية التي قدم منها الرئيس أحمد الشرع، فهي خلفية ميدانية وجهادية وهذا يثير قلق القاهرة. فالمؤسسة الأمنية والسياسية المصرية تميل إلى الحذر تجاه أيّ زعيمٍ خرج من تجارب مسلحة أو ثورية، حتى لو تحوّل لاحقاً إلى دولة براغماتية. هذه الخلفية تجعل القاهرة تراقب بعناية، خشية أن تعود النزعات السابقة لتؤثر في السياسة السورية المستقبلية.
كما تجدر الإشارة إلى الدور الذي أداه الإعلام المصري على مدار السنوات الماضية في ترسيخ صورة سلبية عن الثورة السورية، حيث صورها على أنّها فوضى ودمار. في محاولة لبناء رأي عام متحفظ تجاه التجربة السورية ، ممّا يصعب الآن على صانعي القرار في القاهرة مهمة الانفتاح على دمشق حيث سيعتبر ذلك اعترافا بنجاح التجربة الوليدة.
ولكن من المهم القول إنّ الواقع المتغير في سوريا ما زال ضبابياً لدى كثيرٍ من الدول ولعل خصوصية مصر تجعلها إحدى هذه الدول، وهذا ما يفسر تعاملها بحذرٍ مع ما تعتبره غموضاً في سياسات دمشق الجديدة على المستوى الداخلي والإقليمي. إذ ما يزال صانع القرار المصري يراقب مدى استقلال القرار السوري عن المحاور الإقليمية، ويحلل احتمالات التوجه نحو التحالف مع الخليج أو تركيا، هذه الضبابية تدفع القاهرة إلى اعتماد سياسة “المراقب الحذر” وانتظار اتضاح الرؤية قبل أيّ خطوةٍ عملية.
كما تنبغي الإشارة إلى أنّ دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية بالمشاركة مع تركيا تقود اليوم تشكيل المعادلات الإقليمية في حين فقدت مصر جزءاً كبيراً من أدوات التأثير المباشر، ما يجعلها تكتفي بالمراقبة الحذرة. هذا الوضع يعكس واقعاً جديداً في المنطقة، حيث لم تعد القاهرة اللاعب الأساسي كما كانت في العقود الماضية.
رغم هذا الفتور، فإنّ سوريا تمضي قدماً في الانفتاح العربي والإقليمي، مستفيدة من دعمٍ خليجي متنامٍ وتفاهمات مع أنقرة. المشرق يدخل مرحلة إعادة تشكّل جديدة، وسوريا تعمل على أن تكون جزءاً فاعلاً في معادلاته المقبلة، لا مراقباً سلبياً خلف الكواليس.

