مدونات
أسماء البري
لم تعد حوادث العنف داخل المدارس أخباراً عابرة تتناقلها الألسن ثمّ تتلاشى، بل تحوّلت إلى قضية رأي عام ترتبط مباشرة بحقّ الطفل في الأمان قبل حقه في التعليم. حادثة الضرب الأخيرة داخل مدرسة في منطقة كرم الزيتون في حمص، والتي يجري التعامل معها رسمياً عبر إجراءات متابعة وتقييم، لم تكن “واقعة سلوكية” طارئة، بل كانت شرارة كشفت خللاً أعمق في البيئة التعليمية، وفي العلاقة بين المؤسسة التربوية والطفل، وبين المدرسة والمجتمع.
سواء أثبت التحقيق تفاصيل الحادثة أو حدّ منها، فإنّ جوهر المشكلة لا يكمن في واقعةٍ بعينها، بل في واقع كامل يسمح بتكرارها. فالعنف المدرسي ليس سلوكاً فردياً يظهر فجأة؛ إنّه عرض لخلل تربوي متراكم، ونتاج منظومة تعاني ضعف الرقابة، ومن ضغوط اقتصادية وبشرية وازدحام صفوف وتراجع في التدريب، ما يجعل المدرسة اليوم أقل قدرة على حماية طلابها وأكثر عرضة لانفلات الأساليب التربوية.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو لماذا يجد بعض المعلمين أنفسهم في موقع يسمح لهم باللجوء للعنف أصلاً؟
الجواب لا يتطلب بحثاً طويلاً. حين يكون الصف مكتظاً، والمعلم منهكاً، والضغط الإداري كبيراً، والموارد محدودة، يصبح التعامل التربوي السليم تحدياً يومياً. ومع ذلك، يبقى استخدام العنف خطاً أحمر لا يبرره ضيق ولا يجيزه ضغط. فالطفل ليس المسؤول عن ظروف المدرسة، ولا يجوز أن يتحمل تبعاتها على جسده أو نفسيته.
حادثة كرم الزيتون مهما كانت تفاصيلها سلطت الضوء على فجوةٍ واضحة بين الخطاب التربوي الرسمي الذي يؤكد حظر العقاب الجسدي، وبين الواقع العملي الذي ما يزال يشهد تجاوزات تنعكس مباشرة على التلاميذ. ومع كلّ حادثة جديدة، تتراجع ثقة الأهالي بالمؤسسات التعليمية، ويزداد خوفهم من إرسال أطفالهم إلى مكان يفترض أن يكون حاضناً ومربياً، لا مصدر تهديد أو قلق.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الضغوط الكبيرة التي يعيشها الكادر التعليمي، ولا يمكن التعامل مع المعلمين وكأنّهم وحدهم مسؤولون عن المشكلة. فالمعلمون أنفسهم يعملون في ظروف صعبة، ويحتاجون إلى دعمٍ وتدريب وتأهيل، وإلى أدوات تساعدهم على إدارة الصف دون اللجوء لأيّ شكلٍ من أشكال العنف. وبقدر ما يجب حماية الطلاب، يجب أيضاً حماية المهنة وإعادة تأهيلها لتقوم بدورها الحقيقي.
من حق المجتمع أن يطالب اليوم بجملة خطوات واضحة.
أولها: تعزيز الرقابة التربوية داخل المدارس، ليس عبر العقاب فقط، بل من خلال وجود مشرفين اجتماعيين قادرين على ملاحظة أيّ خلل قبل تطوره. وثانيها: تفعيل برامج التدريب الإلزامي للمعلمين في أساليب الانضباط الإيجابي. وثالثها: فتح قنوات اتصال شفافة بين المدرسة والأهالي، لأن الصمت هو التربة التي ينمو عليها العنف. أمّا الخطوة الأهم فهي ترسيخ ثقافة تحترم الطفل كإنسان كامل الحقوق، لا كمتلقٍ صامت للتعليم.
أيّ مدرسة تُفتح أبوابها كلّ صباح يجب أن تكون مساحة آمنة تُبنى فيها شخصية الطفل وتتشكّل ثقته بنفسه وبالمجتمع. وإذا فقد الطالب هذا الشعور داخل الصف، فإنّ العملية التعليمية مهما كانت منظمة ستبقى ناقصة ومعطَّلة في العمق. فالتعليم ليس مناهج ومقررات فقط، بل علاقة إنسانية تزرع قيماً وتبني وعياً وتؤسس لمواطن قادر على الحياة.
اليوم، تقف حادثة كرم الزيتون أمامنا كمرآة، تعكس خللاً لم يعد مقبولاً تجاهله. ربما تختلف التفاصيل، وربما يثبت التحقيق ما ينصف طرفاً أو يوضح مسؤولية طرف آخر، لكنّ الحقيقة الثابتة هي أنّ بيئة التعليم بحاجةٍ إلى إصلاح جذري يحمي الطفل قبل الكتاب، والإنسان قبل النظام.
ويبقى السؤال الأكثر مرارة والأكثر ضرورة هل نحن مستعدون لبناء بيئة تعليمية آمنة حقاً، أم سنبقى ننتظر حادثة جديدة لنتذكر أنّ الطفل هو آخر من يُسأل في عالم الكبار؟

