أدب

كان الزمن ضدهن.. فهل تغير الآن؟

نوفمبر 19, 2025

كان الزمن ضدهن.. فهل تغير الآن؟

في كتابها “تسع عشرة امرأة سوريات يروين”، لا تجمع سمر يزبك قصصاً متفرقة لنساءٍ من زمن الحرب وحسب، بل تنسج سرداً متماسكاً وموجعاً عن التجربة النسائية في قلب الثورة السورية وتقلباتها على مدار السنين. الكتاب لا يقدّم المرأة كضحية فقط، بل يكشف كيف تحوّلت إلى فاعلة، شاهدة، ومقاوِمة في وجه نظام دموي لم يتردد في سحق الأجساد والمعاني، وفي وجه قوى متطرفة حسبت نفسها على الثورة، وركبت موجتها ثمّ أعادت إنتاج الاستبداد باسم الدين.

تبدأ الحكايات من الشوارع الأولى للمظاهرات السلمية، وتمتد إلى غرف التحقيق والسجون، إلى الخيام والمنافي، ثمّ تنكسر عند عتبات داعش وسواها من فصائل اختزلت المرأة إلى ظلّ وجسد مقيّد. وفي كلّ شهادة، يتكرّر سؤال الغياب والتهميش: لماذا أُقصيت النساء عن القرار؟ لماذا كان عليهن أن يدفعن ثمن الثورة مرتين: مرة من النظام، ومرة ممّن ادعى الثورة، وأطّرها ضمن مسارات محددة وضيقة؟

يوثّق هذا الكتاب الحدث السوري ويضيء على الجوانب المنسية منه، وعلى صمتٍ دام طويلاً. إنّه شهادة جماعية تُجبرنا على مواجهة الحقيقة من موقع مختلف: من تحت الركام، من فم الناجية، من عين امرأة لم يعد لديها شيء تخسره سوى صوتها.


من ساحة المعركة إلى ساحة السرد.
توثيق شهادات النساء في هذا الكتاب فعل مقاومة ضد محو المرأة من قلب الحكاية السورية، وهو الطريقة التي اختارتها النساء ليقفن في وجه النسيان والتهميش، وليقلن ما لم يُتح لهن قوله. في هذه الشهادات، تتقدّم المرأة من خلف الستار لتواجه العالم بذاكرتها المجروحة، فتُعيد بناء ما تمّ تهشيمه عمداً: صورتها، موقعها، حقها في التعبير.لا يعود السرد هنا مجرّد توثيق، بل مساحة لخلق معنى جديد للذات الأنثوية التي خاضت التجربة بكل تعقيداتها، وخرجت منها بكسور وجروح أنتجت وعياً يتجاوز حدود الألم.

سارة من المعضمية تفتتح الكتاب بصوتٍ صارخ لا يلين. صوت امرأة كانت حاضرة في الشارع والمشفى والميدان، ورغم ذلك، واجهت إقصاءً من السلطة، ومن داخل صفوف الثورة. تحمل الكاميرا لتوثق، وتعمل تحت القصف لإنقاذ الجرحى، وتؤسس مبادرات تعليمية للأطفال. لكنّها تصطدم بنظرةٍ دونية من الذين يفترض أنّهم شركاؤها في الحلم. حين فقدت بصرها لأيامٍ بعد مجزرة الكيماوي  الشهيرة التي ضربت غوطة دمشق، لم يكن ذلك أسوأ ما مرّت به، بل كان الصمت العالمي والخذلان الداخلي أقسى وأعمق. شهادتها لا تفتح الباب على المأساة لتنبش الجرح من جديد، بل تضعنا أمام سؤال معلّق: بأيّ حقّ طُلب من النساء دفع الثمن الكامل، ثمّ كُتم الصوت ولُكم؟. هل تمّت الإجابة عن السؤال بعد التحرير ؟ وماذا يمكن أن تقول سارة الآن، بعد كلّ ما حدث.

 

  مدن محاصرة، وأصوات محاصَرة: عن ديما وزين والخذلان المشترك.
في هذا النص، تتحوّل الشهادة من مجرّد رواية إلى خريطةٍ دقيقة للمواجهة، حيث تنكشف أدوار النساء في صلب الفعل الثوري، لا على هامشه. ديما من حرستا،  كانت مراقبة لتحوّل الثورة نحو العسكرة والتطرّف، وكانت شاهدة فعلياً على قيام ألمى شحود بتأسيس كتيبة نسائية في مناطق عين ترما وعربين ومسرابا. لم يكن الهدف رمزياً أو استعراضياً، بل رغبة صريحة في خلق موقع للمرأة داخل معادلة المقاومة، واجهت هذه الكتائب تحديات كثيرة من البيئة ثورية التي لم تتقبّل بسهولة فكرة المرأة المقاتلة، صُودرت أسلحتها، وتعرّض وجودها للتهميش. ومنذ عام 2014، تلاشى حضورها تدريجياً، حد الانتهاء.  كأنّ السياق العسكري العام لم يحتمل استمرار هذا النموذج، أو لم يمنحه المساحة الكافية ليكبر.

من جهتها، كانت زين في حلب تخوض ثورتها داخل الحرم الجامعي، وفي المشفى الميداني. اعتُقلت لأنّها داوت جرحى المظاهرات، وعادت بعد إطلاق سراحها لتُكمل الطريق وسط حصار خانق. تمسّكت بالبقاء في المدينة حتى آخر لحظة، وواجهت قمعاً من نوعٍ مختلف: مضايقات مستمرة من متشددين ثوريين بسبب لباسها ودورها كأنثى.
في كندا، تختم زين قصتها بقولها إنّ ما طالبت به كان قليلاً: كرامة، عدالة، حرية. لكنّها وجدت نفسها في منفى، ومدينتها في الركام. شهادتا ديما وزين تبرزان جوهر الكتاب: أنّ النساء لم يكتبن فقط عن الثورة، بل كنّ جزءاً من تفاصيلها الحاسمة، حملن السلاح، ضمّدن الجراح، وواجهن الخذلان من كل الجهات.


نساء بين فكّي الطغيان: من سجون الأسد إلى شرطة داعش.
في شهادة ضحى عاشور، تخرج الزنزانة من كونها مكاناً للعقوبة إلى مساحةٍ رمزية تتقاطع فيها الحياة والموت. هناك، في أحد سجون حافظ الأسد، ولدت ضحى ابنتها وهي معتقلة بتهمة الانتماء إلى حزبٍ يساري معارض. لم تكن ولادة عادية، بل فعلاً من أفعال التحدي في وجه نظام جعل من جسد المعتقلة ساحة إذلال ممنهج. الاغتصاب، العنف الجسدي، الإهانة، والتحطيم النفسي كانت أدوات السلطة لإسكات النساء، وتحويل أجسادهن إلى رهائن. ضحى تكتب من ذاكرة ممتدة لا تبدأ في 2011، بل من جذر سياسي طويل قاومت فيه المرأة الاستبداد بشكليه المباشر والمركّب، ودفعت ثمناً باهظاً من حريتها، وأمومتها، وإنسانيتها.

أمّا سعاد، فتكتب من الرقة، المدينة التي سيطر عليها تنظيم داعش وحوّلها إلى سجن مفتوح للنساء. جسد المرأة هناك كان مراقباً حتى في تفاصيله الصغرى: لون الحذاء، شكل العباءة، نقاب “مطابق”، قفاز “شرعي”، كلّ شيءٍ خاضع لتشريح فقهي مشوّه. في كلّ مرة تمرّ على حاجز، كانت تغيّر ثيابها: النقاب أمام داعش، والوجه المكشوف أمام النظام، خشية الاعتقال من الطرفين. بين فكي كماشة، عاشت المرأة تحت نظامين قمعيين، كلٌّ منهما جرّدها من هويتها بطريقته. ما تكشفه سعاد بوضوح، أنّ الاستبداد حين يغيّر وجهه لا يغيّر سلوكه، وأنّ المرأة بقيت الحلقة الأضعف، والأكثر انكشافاً.

نصوص من لحم ودم: لا رواية واحدة تكفي.
في هذا الكتاب لا تسعى سمر يزبك إلى بناء خطاب واحد أو سردية متماسكة تغلّف الشهادات، بل تفتح المجال لكلّ امرأة لتكتب من تجربتها، بلغتها، وبالطريقة التي اختبرَت بها الألم. تتحدّث النساء كما يتنفسن: بلا تنميق، بلا خضوع لتقنيات السرد أو أعراف الأدب. وهذا ما يمنح النص قوته وفرادته، لأنّه لا يجمّل الحقيقة، بل يقدّمها كما هي: حارّة، قلقة، مشروخة. كلّ شهادة تُروى من موقع مختلف، ومن حساسية فردية لا تُقاس على الأخرى، وهو ما يمنح العمل بعداً توثيقياً أكثر صدقاً من أيّ رواية أو تقرير صحفي.

هذه الشهادات ليست صرخات من ماضي ترك ندباته على الحاضر، هذه الشهادات هي محاولات واعية لاستعادة الصوت وسط ضجيج أفرغ المرأة من دورها. إنّها كتابة من داخل التجربة، لا تعليق عليها من الخارج. ومن خلال هذا التعدد في النبرة واللغة والرؤية، يتشكل أرشيف حيّ يعارض فكرة “التوثيق البارد”، ويقدّم صورة حقيقية عمّن كانت المرأة السورية خلال الحرب: ليست تابعاً ولا ضحية صامتة، بل فاعلة، ومنفية، ومُقاوِمة في آن.
إنّ ما تفعله يزبك هنا هو منح المساحة، لا صياغة الرواية. والسوريات اللواتي ظهرن في هذا الكتاب لا يطلبن البطولة، بل يستعدن حقيقتَهن التي سُرقت بصمت.

حين تستيقظ الذاكرة على ضوءٍ جديد.

في ختام هذا العمل، تبدو الشهادات التي نقلتها سمر يزبك أقرب إلى وثيقةٍ حيّة، لا تجمّد المعاناة في زمنها، بل تدفعنا لإعادة النظر في موقع المرأة داخل السرد الوطني السوري. هؤلاء النساء لم يكتبن من موقع الضحية، بل من موقع التجربة المعيشة، من خطوط المواجهة، ومن لحظات الانكسار الحادّة. حملن في أصواتهن وجعاً ثقيلاً، يفيض بيأس عميق من عالم خذلهن، ومن وطن بدا وكأنّه يُنتزع من بين أيديهن.

لكن الصورة اليوم تغيّرت. النظام الذي ارتكب بحقّ السوريين، نساءً ورجالاً، كلّ أشكال الإذلال والانتهاك، انهار، وسوريا بدأت تستعيد نفسها، مدينةً مدينة، وشارعاً شارعاً. أصبح الأمل ممكناً، والحرية واقعاً لا شعاراً. اليوم، يعود السؤال القديم بصيغة مختلفة: ماذا تشعر النساء الآن؟ هل تغيّرت نبرة الألم في صدورهن؟ هل وجدن موضعاً آمناً لأحلامهن التي نُكّست طويلاً؟

سوريا اليوم تنظر إلى الأمام، بأمل في وطن يُصغي إلى كلّ أبنائه، ويضمن حرياتهم بعيداً عن القمع، والإقصاء، والتمييز. وطن يحتفي بتعدّده، ويحتضن مواطنيه مهما اختلفت معتقداتهم وهوياتهم. هذه الشهادات لا تُختتم بالحزن، بل تُعاد قراءتها كمدخل إلى زمنٍ جديد، لا يُقصي أحداً، ولا ينكر ما كان.

 

شارك

مقالات ذات صلة