آراء

مالي بعد الانسحاب الفرنسي: القاعدة .. وريث الدولة المنهارة والهيمنة الاستعمارية الوقحة

نوفمبر 18, 2025

مالي بعد الانسحاب الفرنسي: القاعدة .. وريث الدولة المنهارة والهيمنة الاستعمارية الوقحة

في غرب أفريقيا، على تخوم الصحراء الكبرى، تتقاطع ثلاثة خطوطٍ للنار: إرث استعماري لم يُدفن، تنظيمات جهادية تتمدّد كجذور شجرةٍ برّية، ودول هشّة تستيقظ يوميا على سؤالٍ وجودي: من يحكم الميدان؟

مالي، القلب المضطرب لهذه الجغرافيا، أصبحت مختبراً مفتوحاً لفهم ما يحدث حين ينسحب جيشٌ أوروبي كان يوماً ما القوة الوازنةالدخيلةيموج تنظيم القاعدة كالأفعى كبديلٍ يحمل منطقاً آخر للعنف والسيطرة.

هذا ليس صراعاً على الأرض؛ بل على السردية. ومن يعرف تاريخ فرنسا في الساحل يفهم أنّ الخروج لا يعني النهاية، بل إعادة الانتشار في زمنٍ تتغيّر فيه موازين القوى بين الفاعلين الدوليين والجماعات الراديكالية.

 

مالي من الأطراف إلى العمق.

 

تخطو مالي نحو لحظة سياسية تتجاوز توصيف «الأزمة» إلى ما يشبه تفككاً تدريجياً لدولة تفقد أطرافها أولاً، ثمّ تتقلص داخل حدود العاصمة كأنّها تغير جلدها القديم دون أن تجد جديداً تلتئم داخله. الصراع في مالي لم يعد صراع دولة ذات سيادة ضد جماعات مسلحة، بل ساحة يتقاطع فيها انهيار احتكار الدولة لأدوات العنف المقنن إثر تراجع النفوذ الاستعماري الفرنسي وصعود تنظيمات جهادية راديكالية تملأ الفراغ بمزيجٍ من القوة والبراجماتية“. ومع الانسحاب الفرنسي بين عامي ٢٠٢١ و ٢٠٢٢، انفجرت التناقضات التي كان الوجود ما بعد الاستعماري يواريها. لم ينسحب الفرنسيون من حرب؛ انسحبوا من مسؤولية تاريخية كانوا جزءاً من صناعتها، لتبدو مالي اليوم كنموذج مكثّف لدولة تنهار من الأطراف قبل قلب العاصفة في العاصمة. وفي اللحظة ذاتها، تقدمت القاعدة كأنّها تستعيد أرضاً لم تُدار لها يوماً كما يجب.

 

مَن يراقب شمال البلاد ووسطها يدرك أنّ باماكو لم تعد تتحكم إلا بمساحة رمزية، وأنّ الريفحيث تُصنع السلطة الحقيقية وحيث تُختبر شرعيةُ أيّ دولة— قد خرج فعلياً من دائرة السيطرة. هذا التحوّل لم يكن نتيجة حدث واحد، بل تتويجاً لمسارٍ طويل من الإهمال السياسي والفساد البنيوي والاعتماد المَرَضي على التدخل الأجنبي. ومع الانسحاب الفرنسي، الذي جرى تحت ضغط الشارع وصعود خطاب السيادة، انفجرت كلّ التناقضات دفعة واحدة، ووجدت القاعدة نفسها أمام مساحة مفتوحة لا ينافسها فيها أحد.

  

الإرث الفرنسي: حضورٌ يدّعي الرحيل ولا يترك نفوذه قط!

 

منذ إطلاق عمليةسيرفالفي ٢٠١٣، قدّمت فرنسا تدخلها باعتباره «حرباً ضد الإرهاب»، لكنّها وسّعت وجودها لاحقاً عبر «برخان» بطريقة كشفت أنّ الهدف الحقيقي يتجاوز الأمن إلى تثبيت نفوذ استعماري بأدواتٍ جديدة. بالنسبة لباريس، كانت مالي جزءاً من فضاء الساحل الذي صاغته في زمن الاحتلال وظلّت تعتبره مجالاً حيوياً لا يمكن التخلي عنه. ومع مرور الوقت، بات واضحاً أنّ فرنسا تخوض حرباً بلا رؤية سياسية، وأنّها لم تأتِ لبناء مؤسسات، بل لحماية موقعها الجيوسياسي. عاشت مالي عقداً كاملاً تحت وصاية عسكرية غير معلنة، تتقدّم فيها دوريات القوات الخاصة، فيما تتراجع قدرة الدولة على إدارة شؤونها. وحين واجهت باريس غضباً شعبياً وصعود خطاب سيادي رافض لتدخلها، لم تجد سوى الانسحاب السريع، وكأنّها تُسقط من فوق الطاولة ملفاً لم يعد يناسبها. لكنّها لم تخرج كقوةٍ تُنهي مهمة، بل كقوةٍ تُسجّل إخفاقاً استراتيجياً ترك دولة مكشوفة أمام انهيارها الداخلي.

 

الريف المالي: الساحة التي تُصنع فيها السلطة وتسقط فيها الدولة.

 

لطالما كان الريف هو المقياس الحقيقي لشرعية أيّ سلطة في الساحل. في القرى حيث تتقاطع خطوط التجارة ونزاعات القبائل، لم يكن للدولة حضور فعلي. المدارس نادرة، النقاط الطبية شبه معدومة، الطرق غير مؤمنة، والشرطة غائبة. وفي هذا الفراغ، ظهرت القاعدة كقوة تدير الواقع لا الخطابات. فرضت النظام حين غابت الدولة، وحسمت النزاعات حين اختفت العدالة، ومنحت السكان إحساساًمهما كان هشّاً أو قاسياًبأنّ هناك جهة يمكن الرجوع إليها. بهذا المعنى، لم تكسب القاعدة الشرعية بالقوة، بل كسبتها لأنّ الدولة لم تُظهر أيّ قدرةٍ على ممارسة وظائفها الأساسية. الريف لم يسقط بيد التنظيم، بل سقط من يد الدولة قبل ذلك بزمنٍ طويل.

  

صعود القاعدة: أنصار الدين وجند الإسلام والمرابطون.

 

من ثم لم يكن صعود القاعدة الفرع الأوسع لتنظيم القاعدة في الساحلطموحًا لعمليات خاطفة بقدر ما هو سعيٌ لبناء سلطة بديلة. لم تتقدّم بوصفها تنظيماً عابراً للحدود، بل كفاعل محلي يعرف اللغات والممرات والتحالفات القبلية، لم يكن هذا الصعود مجرد تطور عسكري، بل إعادة تشكيل لمفهوم السلطة في الساحل. أدركت  الجماعة أنّ الدولة منهكة، وأنّ سكان الريف يشعرون بأنّهم متروكون لمصيرهم، وأنّ أيّ جهةٍ تستطيع فرض النظام ستحصل على قبول نسبي. هذا التحالف لم يكن مجرّد توحيد لرايات، بل تطورٌ استراتيجي أعاد صياغة شكل المواجهة في الساحل:

 

  •   قيادة لامركزية تسمح للوحدات الميدانية بالتحرك باستقلالية.
  •   خطاب يربط المحلي بالوطني: الدفاع عن القبائل العربية والطوارق والفولاني ضداعتداءات الدولة.
  •   قدرة على إدارة الأراضي والطرق، وفرض الضرائب، وتقديم نوعٍ بدائي منالحوكمة.

 

وحين انسحبت فرنسا، تحوّلت مناطق النزاعخصوصاً في موبتي وتمبكتو وقاوإلى مساحات تتنافس فيها القاعدة مع داعش على النفوذ، في حرب ظلّت هي الأكثر دموية في تاريخ الساحل الحديث.

 

الانسحاب الفرنسي: لحظة سقوط القناع عن الدولة.

 

حين غادرت فرنسا، لم ينكشف ضعف الجيش المالي فقط، بل انكشف ضعف الفكرة نفسها التي كانت تدّعي أنّ الدولة قادرة على استعادة السيطرة. كانت الحكومة تتكئ على القوة الجوية الفرنسية أكثر ممّا تتكئ على مؤسساتها. وما إن غاب الغطاء الخارجي، حتى اتّضح أنّ الدولة غير موجودة فعلياً في الشمال والوسط. تقدمت القاعدة بسرعة، و انكشف أنّ وجود القوات الفرنسية هو الذي كان يؤخر لحظة الانهيار. خروج القوات كشف هشاشة الجيش المالي، الذي يعاني انقسامات عرقية. حكومة باماكو لم تنجح في بناء مؤسسات قادرة على بسط سيطرة حقيقية، وتركزت سلطتها في المدن الكبيرة بينما تركت الريف لقدرٍ وحشي.

 

انهيار الدولة: الفشل السياسي الذي سبق الفشل الأمني.

 

تمدد القاعدة لم يكن ليحدث لولا الأزمة العميقة في بنية الدولة المالية. فالسلطات المتعاقبة في باماكو لم تُنتج مشروعاً سياسياً جامعاً، ولم تُوفر أيّ إطار وطني يدمج الطوارق والفولاني والعرب في منظومة واحدة. تركت الحكومات الأطراف لمصيرها، وركّزت على صراعات العاصمة، وتجاهلت الحدود الواسعة التي باتت ممراً للسلاح والجريمة المنظمة. ومع الانقلابات العسكرية، ازداد الانقسام الداخلي، وأصبحت الدولة مشغولة بتثبيت الحكم بدلاً من تثبيت نفسها. في هذا السياق، لم تكن القاعدة سوى نتيجة طبيعية لفشل سياسي مزمن، وجدت في الانهيار فرصة لا تحتاج إلى قوة مفرطة لاستغلالها.

 

مرحلة ما بعد باريس: دخول روسيا وصراع نفوذ لا يغيّر شيئاً في العمق.

 

بعد انسحاب فرنسا، دخلت روسيا إلى مالي عبر مجموعة فاجنر، محمولة على خطاب «استعادة السيادة» الذي روّج له المجلس العسكري. لكن الروس، رغم قدرتهم على حماية النخبة الحاكمة داخل المدن، لم يقدّموا مشروعاً لبناء المؤسسات. تعاملوا مع مالي بوصفها مساحة نفوذ، لا دولة تحتاج دعماً. الولايات المتحدة بدورها تراقب، والصين تستثمر دون الانخراط الأمني. وهكذا، أصبح الصراع الدولي يجري فوق السطح، بينما النفوذ الحقيقي المتمثل في القدرة على التحكم بالريف والناس— ظلّ ملكاً للتنظيمات المسلحة. القوى الكبرى ورثت بعضها، لكن أحداً منها لم ينجح في وراثة الأرض.

 

التمدد الإقليمي: الساحل كجغرافيا تتداعى.

 

لم تعد مالي مركز الأزمة فقط، بل أصبحت نقطة انطلاق لتمدد راديكالي عابر للحدود. فبوركينا فاسو والنيجر تعيشان اليوم الظروف نفسها: جيوش منهكة، حكومات ضعيفة، حدود رخوة، ومجتمعات مهمشة. بهذا المعنى، يتحول الساحل كلّه إلى مساحة انهيار طويل يمكن أن يعيد رسم الخريطة السياسية لمنطقة الساحل والصحراء. القاعدة لم تعد تنظيماً محلياً محصوراً في دولة واحدة، بل أصبحت لاعباً إقليمياً قادراً على الحركة أكثر من أيّ حكومة، وعلى التأثير أكثر ممّا تستطيع أيّ قوة دولية.

 

القاعدة تعيد قراءة الذاكرة الجمعية للاستعمار.

 

لا يمكن قراءة ما يحدث من دون فهم الذاكرة الاستعمارية. فرنسا حكمت مالي لعقود، وحدّدت حدودها، وصنعت نخبتها السياسية، واحتفظت بعدها بنفوذ اقتصادي وعسكري واسع. التحول الأخطر أنّ القاعدة قدّمت نفسها كقوةٍ معارضة للاستعمار الفرنسي الجديدوهي رواية تجد قبولاً لدى قطاعات من الشباب المهمّش الذين لم يروا من الدولة سوى القمع والإهمال. فجأة، يصبح الجهاد خطاباً سياسياً قبل أن يكون دينياً. ومع صعود الانقلابات العسكرية في مالي ٢٠٢٠٢٠٢١)، عاد خطابتحرير البلاد من الهيمنة الفرنسيةليصبح العنوان الأبرز. لكن تحرير السيادة في الواقع لم يأتِ بالدولة الفاعلة، بل أتى بفراغٍ قاتل: تراجع المساعدات، انسحاب القوات الفرنسية، وانكفاء المجتمع الدولي. وفي تلك الفراغات، تزدهر جماعات الجهاد الراديكالي.

 

خاتمة: الفراغ كسلطة لا ينازعها أحد.

 

بعد عقد من التدخل الفرنسي ثمّ الانسحاب المرتبك، يظهر أنّ أكبر لاعب سياسي في مالي ليس الدولة ولا فرنسا ولا روسيا، بل الفراغ نفسه. الفراغ الذي سمح للقاعدة أن تتحوّل من جماعة مطاردة إلى سلطة يومية في حياة الناس. الفراغ الذي جعل الدولة عاجزة عن حماية نفسها، وجعل القوى الدولية تتصارع على السماء بينما الأرض تُدار من قِبل من يفهمها أكثر. لم تعد مالي دولة تتعرض لتهديد، بل دولة فقدت حق الحكم، وفتحت الباب لتنظيمات مسلحة لتكتب مستقبلها. والسؤال اليوم ليس كيف صعدت القاعدة، بل كيف انهارت دولة كاملة تاركةً فراغاً لا ينازعها فيه أحد.

 

 

 

 

 

 

شارك

مقالات ذات صلة