فكر

سوريا المتخيلة: من الجماعة الوطنية إلى جماعات الذاكرة

نوفمبر 6, 2025

سوريا المتخيلة: من الجماعة الوطنية إلى جماعات الذاكرة

في الشمال، يقف طفلٌ في ساحةٍ ترابية يردّد نشيداً لا يشبه النشيد الذي يحفظه طفلٌ آخر في الجنوب، وفي مدينةٍ أوروبية بعيدة يحاول ثالثٌ أن يتذكّر معنى كلمة “وطن” بالعربية فلا يجد لها معادلاً واضحاً في لغته الجديدة. تتوزّع الذاكرة السورية اليوم بين لهجاتٍ متباعدة وأعلامٍ متنافرة وصور شهداء لا يلتقون حتى في الحلم. 

كلّ منطقةٍ تصنع سرديتها الخاصة، وكلّ جيلٍ يروي الحرب التي عاشها كأنّها حربه وحده. لم تعد المسافة بين المدن السورية تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الروايات التي تفصلها. حتى اللغة التي كانت تجمعنا صارت تحمل دلالاتٍ متضادّة: كلمة “ثورة” هناك مقدّسة، وهنا مُدانة، وكلمة “شهيد” في الشمال لا تشير إلى الاسم ذاته الذي تشير إليه في الجنوب. وفي هذا التبعثر الهائل للرموز، فقد السوريون أهمّ ما كان يصنع وجودهم الجماعي: خيالهم المشترك.

حين تحدّث بندكت أندرسون عن “الجماعات المتخيلة”، لم يكن يقصد الخيال بوصفه وهماً، بل باعتباره أعظم إنجازٍ بشريّ في بناء الانتماء. فالأمم لا تتشكّل بالدم ولا بالجغرافيا فقط، بل عبر صورةٍ ذهنيةٍ يشترك الناس في تصديقها، صورةٍ يربطها التعليم واللغة والمطبوعات والأغاني والطقوس حتى يصبح ملايين البشر غرباء يتخيّلون أنفسهم شعباً واحداً. إنّ هذا الخيال هو الذي يمنح الكيان السياسي روحه، والذي يجعل الفرد مستعداً لأن يضحّي من أجل علمٍ أو نشيدٍ أو حدودٍ لم يختبرها شخصياً. هكذا تشكّلت الجماعات الوطنية الحديثة، وهكذا أيضاً بدأت تتفكّك حين تكسّر ذلك الخيال في وعي الناس، وحين صارت الرموز المشتركة مجالاً للريبة لا للفخر.

في الحالة السورية، لم يكن الانهيار السياسي وحده كافياً لتفكيك الدولة، بل تزامن معه انهيار الخيال الذي جعل السوريين يوماً ما يتخيلون أنفسهم “شعباً واحداً”. لم تُهزم السلطة فحسب، بل هُزم التصوّر الجمعي للوطن، وانشطر الخيال المشترك إلى صورٍ متناقضة تتنازع تعريف “سوريا” ذاتها. لكلِّ منطقة اليوم علمها وأغنيتها، لكلِّ مدينة حكايتها الخاصة عن النصر أو الهزيمة، حتى باتت البلاد تشبه مرايا مكسورة تعكس وجوهاً متنافرة لبلدٍ واحد.

في هذا المقال، نحاول الاقتراب من هذا التفكك الرمزي من خلال مقاربة نظرية تستند إلى مفهوم “الجماعات المتخيلة” لبندكت أندرسون، لنتتبّع كيف تحوّل الخيال الوطني السوري إلى جماعاتٍ متخيّلة متعدّدة، وكيف أعادت الحرب إنتاج الانتماء على أساس الذاكرة والولاء بدل الفكرة. سنفكّك البنية التي انهار فيها الخيال الجمعي، ونحاول ترتيب ملامح الجماعات الجديدة التي نشأت على أنقاضه، في محاولةٍ لفهم أيّ “سوريا” ما تزال ممكنة في وعي أبنائها.

 

 

الخيال الذي يصنع الأمة: قراءة في مفهوم بندكت أندرسون.

 

حين نشر بندكت أندرسون عام 1983 كتابه الشهير “الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها”، أحدث قطيعة معرفية مع التصورات التقليدية التي كانت ترى في الأمة امتداداً طبيعياً للعِرق أو الدين أو اللغة. لم يعد معنى “الأمة” عنده قائماً على وحدة الأصل أو الدم أو المصلحة المادية، بل على فعلٍ خياليٍّ جماعيّ يجعل الأفراد، الذين لن يعرف معظمهم بعضاً أبداً، يتصوّرون أنفسهم جزءاً من كيانٍ واحد. الأمة إذن ليست كياناً موروثاً بل قصة مشتركة يتبنّاها الناس ويؤمنون بها معاً، حتى تصبح بالنسبة إليهم أكثر واقعيةً من الواقع نفسه.

ينطلق أندرسون من ملاحظةٍ بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها: ملايين البشر يستيقظون كلّ صباح ليقرؤوا الصحف نفسها، بلغاتهم القومية نفسها، ويتابعون أخبار الأشخاص أنفسهم الذين لم يروهم يوماً، ومع ذلك يشعرون بأنّهم ينتمون إليهم. هذه اللحظة اليومية العادية هي، في رأيه، أحد جذور القومية الحديثة؛ إذ تشكّل القراءة المتزامنة والإحساس بالمصير المشترك نوعاً من “الطقس المدني” الذي يمنح الجماعة وجودها الرمزي. ومع انتشار الطباعة والتعليم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأ الناس يتحدثون اللغة نفسها، ويفكّرون عبر سرديةٍ موحّدة عن أنفسهم وتاريخهم، فتكوّنت الأمم الحديثة داخل الخيال الجمعي قبل أن تتكوّن على الخرائط.

يسمّي أندرسون هذه العملية “الرأسمالية الطباعية” أيّ الدور الذي أدته الطباعة والسوق في توحيد اللغة وخلق الفضاء القومي. فالصحف والروايات والمناهج المدرسية أنتجت شكلاً جديداً من الوعي الزمني، جعل الناس يتخيلون ماضيهم كمسارٍ واحد ومستقبلهم كمصيرٍ مشترك. وحين تبدأ اللغة بالتوحّد، تبدأ فكرة الأمة بالولادة. لذلك يرى أندرسون أنّ القومية ليست انحرافاً عاطفياً، بل إحدى أشكال الإيمان العلماني التي حلت محل المعتقدات الدينية الكبرى. فكما كان الإنسان في القرون الوسطى يرى نفسه عضواً في جماعة دينية تمتد عبر الزمان والمكان، صار المواطن الحديث يرى نفسه عضواً في جماعة وطنية تمتد عبر الجغرافيا والتاريخ، لكنّه لم يعد يسميها “أمة المؤمنين”، بل الوطن.

ولعلّ أكثر ما يميز مقاربة أندرسون أنّها أعادت للأمة بُعدها الرمزي والخيالي؛ فهي ليست مجرد عقدٍ سياسي بين مواطنين، بل منظومة من الرموز والعواطف والطقوس التي تُرسّخ شعور الانتماء. لهذا السبب، لم يكن الانتماء الوطني بحاجةٍ إلى منطق، بقدر حاجته إلى إيمانٍ جمعي. فالمواطن العادي قد يجهل تماماً حدود وطنه أو تفاصيل تاريخه، لكنّه يحمل استعداداً فطرياً للتضحية في سبيله، لأنّ الخيال الذي صنع الأمة هو ذاته الذي يضفي على موت الجندي معنىً مقدّساً، وعلى النشيد الوطني رهبةً تشبه رهبة التلاوة الدينية.

غير أنّ هذا الخيال لا يُمنح للأبد. فهو يتغذّى من لغةٍ حية، ومن رموزٍ قادرة على التوحيد، ومن شعورٍ بالمصير المشترك. فإذا ضعفت هذه الروابط أو تفسّخت، تبدأ الجماعة بالتآكل من داخلها. فالأمة لا تموت حين تُهزَم عسكرياً، بل حين تفقد إيمانها بنفسها، حين يعجز أبناؤها عن تخيّلها من جديد. عندها تتحوّل الجماعة المتخيلة إلى مجموعة من الذكريات المتنازعة، وتفقد اللغة قدرتها على الجمع، ويغدو كلّ سردٍ وطني مشروعاً فردياً أو فئوياً لا يجد من يصدّقه.

من هذه النقطة بالذات، يمكن أن نطلّ على الحالة السورية، حيث لم يكن الانقسام الجغرافي أو الطائفي هو الذي دمّر الوطن، بل الانقسام في المخيّلة ذاتها. فحين تلاشت القصة المشتركة التي كان السوريون يروونها عن أنفسهم، تلاشت معها إمكانية تخيّلهم كشعبٍ واحد. وهنا يبدأ التحوّل من “جماعة متخيّلة وطنية” إلى “جماعات متخيلة صغيرة”، لكلّ منها سردها ورمزها وماضيها الخاص.

 

تفكّك الخيال السوري: من الجماعة الوطنية إلى جماعات الذاكرة.

 

لم يكن الانهيار السوري مجرّد تفككٍ سياسيّ أو عسكريّ، بل تفككاً في الخيال ذاته الذي كان يصنع فكرة “السوريين” كجماعةٍ وطنية واحدة. فحين اندلعت الثورة، انقسمت الجماعة المتخيلة التي ورثت الدولة الحديثة إلى صورٍ متناقضةٍ عن الذات والماضي والمستقبل. كلّ طرفٍ أعاد سرد القصة الوطنية من بدايتها، كأنّ التاريخ لم يبدأ إلا معه. وهكذا، تراجعت الهوية السورية الجامعة أمام طوفان الهويات الفرعية، وبدأت عملية إعادة تخيّلٍ جماعيّ واسعة النطاق: أكرادٌ يعيدون تخيّل ذواتهم كأمّة لم تكتمل، وسُنّة يرون في ثورتهم امتداداً لعدالةٍ تاريخية مؤجلة، وعلويون يتشبّثون بدور الحامي في سرديةٍ دينية وجوديةٍ مهدَّدة، وطبقاتٌ من الشتات تصوغ لنفسها سوريا أخرى في الذاكرة والمنفى.

لقد كانت الدولة السورية الحديثة منذ تأسيسها مشروعاً متناقضاً بين الرمزي والسياسي، بين “الوطن” كمفهومٍ جمعيٍّ وبين “السلطة” التي احتكرته. فحين استبدلت السلطةُ الوطنيةَ بشخص الحاكم، تحوّل الخيال القومي إلى ولاءٍ قسريٍّ يتغذّى من الخوف أكثر ممّا يتغذّى من الإيمان. كان السوري يتخيّل نفسه جزءاً من وطنٍ واحد، لكن هذا الخيال كان مراقَباً، موجَّهاً، مؤطّراً بشعاراتٍ لا تُسمح بمساءلتها. ومع سقوط هذه الرموز بعد عام 2011، لم يُبنَ خيالٌ جديد، بل انكشفت الفجوة التي كانت الدولة تملؤها بالقسر: فراغٌ رمزيٌّ لم تعرف الجماعة كيف تسده.

تزامن ذلك مع تفتّت اللغة والسرد والرمز. الإعلام الذي كان يصنع في الماضي “سوريا الرسمية” تَجزّأ إلى منابر متناحرة، كلٌّ منها يبني جماعته المتخيلة الخاصة. المناهج الدراسية اختلفت بين منطقةٍ وأخرى، والذاكرة البصرية للأحداث -من صور الشهداء إلى الخرائط- صارت علامات انقسام أكثر منها أدوات توحيد. حتى اللغة اليومية انقسمت إلى لهجاتٍ محمّلة بالاصطفاف، وإلى كلماتٍ فقدت معناها المشترك. “التحرير” مثلاً قد يعني في الجنوب استعادة الدولة، وفي الشمال الانفصال عنها. هذا الانزياح الدلالي كشف أنّ المعجم السوري نفسه لم يعد واحداً، وأنّ الخيال الذي كان يُبنى بالكلمات تهاوى حين فقدت الكلمات معناها.

ومع مرور السنوات، تحوّل كلُّ تجمعٍ بشريٍّ سوري إلى “جماعة ذاكرة” أكثر من كونه جماعة وطنية. فالانتماء لم يعد لمستقبلٍ يُتخيَّل سويّاً، بل لماضٍ يُستدعى لتبرير الحاضر. من يتذكّر مجازر الثمانينيات يعيش ذاكرةً مختلفة عمن عاش حصار الغوطة أو دمار حلب. ومن نشأ في المنفى الأوروبي يتحدث عن “سوريا” كحلمٍ ثقافيٍّ ضبابيٍّ لا حقيقةٍ ملموسة. كلُّ هذه الذاكرات تحاول تخيّل وطنها الخاص، تصنع علمها ولغتها ورمزها ومظلوميتها، حتى باتت سوريا الحديثة مجموعة من “الأمم الصغيرة” التي تتقاطع أحياناً في الحنين وتتناقض في المعنى.

إنّ أخطر ما في هذا التحول أنّ الجماعة الوطنية لم تَعُد تمتلك خيالاً جامعاً يمكن أن يُعيد تعريفها. فالوطن، كما يقول أندرسون، لا يُصان بالحدود ولا بالقوة، بل بالقدرة الدائمة على تخيّله. وفي اللحظة التي فقد فيها السوريون هذه القدرة، لم يعد الصراع بينهم صراعاً على السياسة فحسب، بل على الذاكرة نفسها: أيُّ روايةٍ ستبقى لتُعرّف من هو السوري؟ وأيُّ خيالٍ جديد يمكن أن ينهض من بين هذا الركام؟

 

من الجماعة المتخيّلة إلى الحاجة لخيالٍ جديد.

 

في ظل هذا الانقسام المتنامي، تبدو سوريا اليوم كجغرافيا مأهولة بالأجساد أكثر ممّا هي موطنةٌ للخيال. فكلّ منطقةٍ تروي حكايتها، وكلّ جيلٍ يكتب تاريخه بلغةٍ مختلفة، بينما يغيب ذلك الشعور الخفيّ الذي يجعل الناس يشعرون بأنهم يشكّلون “نحن” واحدة. لقد صارت الهوية السورية، التي كانت في زمنٍ ما تُكتسب بالولادة، مسألةً اختياريةً تتفاوت حسب التجربة والموقع والذاكرة، حتى كأنّ الانتماء نفسه فقد معناه الأخلاقي. وما يثير القلق أنّ معظم الخطابات التي تحاول اليوم ترميم هذا الانتماء، سواء تلك التي تنادي بالعودة إلى “الدولة الوطنية” أو التي تحلم بـ”الثورة الدائمة”، تعيد إنتاج الخيال القديم نفسه الذي سقط، بدل أن تقترح خيالاً جديداً يتجاوز جراحه.

إنّ إعادة تخيّل سوريا لا يمكن أن تكون فعلاً سياسياً محضاً، لأنّ السياسة وحدها هي التي أفرغت الوطن من معناه. ولا يمكن أن تكون أيضاً فعلاً نوستالجياً يحنّ إلى “سوريا التي كانت”، لأنّ تلك الصورة المثالية لم تكن سوى نتاجٍ آخر من منتجات الخيال الرسمي الذي انهار. المطلوب، بالأحرى، خيالٌ أخلاقيّ وثقافيّ جديد، لا ينطلق من الشبه بين السوريين بل من اختلافهم، ولا يسعى إلى توحيدهم تحت رمزٍ واحد بل إلى جمعهم في معنى واحد: معنى الكرامة الإنسانية المشتركة. فكما بُنيت الجماعات المتخيلة الأولى على اللغة والطباعة والمشاعر، فإن الجماعة السورية المقبلة لن تُبنى إلا على سردٍ جديد يعيد للإنسان مكانته، ويحوّل الذاكرة من ميدانٍ للصراع إلى مادةٍ للفهم والمصالحة.

لقد أثبتت التجربة أنّ الحرب، مهما كانت مدمّرة، لا تمحو الخيال بل تدفعه إلى البحث عن شكلٍ آخر. فكما خرجت الأمم الأوروبية من أهوال الحروب بخيالٍ جديدٍ عن المواطنة والدولة، قد يكون الخلاص السوري أيضاً في ولادة خيالٍ آخر، خيالٍ لا يتوسّل النقاء ولا الانتماء المغلق، بل يتأسّس على فكرة الوعي بالاختلاف والاعتراف المتبادل. هذا الخيال لا تكتبه الشعارات، بل تكتبه الفنون والكتب والموسيقى والذاكرة التي تُروى بصدقٍ لا بروباغندا. هناك فقط، في المسافة بين الألم والرواية، يمكن أن تتكوّن سوريا المتخيلة القادمة، سوريا التي لا تتأسّس على الماضي الذي مزّقها، بل على القدرة على تخيّل نفسها من جديد. 

في نهاية المطاف، لا تبدو المأساة السورية محصورة في ما خسرته البلاد من أرواحٍ ومدنٍ وذاكرة، بل في ما خسرته من خيال. فالهدم الذي أصاب الحجر كان امتداداً لهدمٍ أعمق أصاب الصورة التي ربطت الناس ببعضهم، الصورة التي جعلت السوريين يوماً ما يتخيّلون أنفسهم جماعةً واحدة تتقاسم المصير ذاته. ومع كلّ انقسامٍ جديد، كانت تلك الصورة تتشقق أكثر، حتى صار من العسير تذكّر ملامحها الأولى.

لكن الخيال، على هشاشته، هو آخر ما يموت في الإنسان. ربما لا يمكن لسوريا أن تعود كما كانت، وربما لا يملك أحد القدرة على إعادة الزمن إلى ما قبل الانقسام، لكن ما يزال في الذاكرة ما يكفي لتخيلها من جديد. ليس الخيال الذي يُغنّي للماضي، بل الخيال الذي يخلق المعنى من الفقد، ويعيد الإنسان إلى مركز الحكاية بعد أن ابتلعه الرمز والسياسة.

في هذا الأفق، لا يبدو السؤال كيف نعيد بناء الدولة أو نرسم حدودها، بل كيف نعيد تخيّل أنفسنا من داخلها. فهل يمكن للسوريين، بعد كلّ هذا الخراب، أن يخلقوا من اختلافهم وطناً جديداً؟ أم أنّنا سنظلّ، كما نحن اليوم، جماعاتٍ متخيّلة صغيرة، تتبادل الحنين إلى وطنٍ لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة؟

شارك

مقالات ذات صلة