مدونات

بين الغربة والعودة.. أحلام الطلاب المؤجلة

نوفمبر 1, 2025

بين الغربة والعودة.. أحلام الطلاب المؤجلة


أسماء البري

لم تعد رحلة التعليم بالنسبة للطلاب السوريين مجرّد طريقٍ نحو المعرفة أو مستقبلٍ مهنيٍّ واعد، بل أصبحت مساراً طويلاً مليئاً بالعقبات والتحديات التي تتجاوز حدود القاعات الدراسية لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالغربة التي لم تكن خياراً لهم، تحوّلت إلى واقعٍ مفروضٍ لا يمكن الهروب منه، وإلى عبءٍ ثقيل يرافقهم منذ لحظة مغادرتهم الوطن وحتى محاولاتهم الصعبة للعودة إليه.

 
منذ اندلاع الثورة السورية، وجد آلاف الطلاب أنفسهم مشتتين بين بلدانٍ متعددة، يحملون في قلوبهم طموحًا لا ينطفئ رغم كلّ الصعوبات. لكن واقع التعليم في بلدان اللجوء أو الاغتراب كان أكثر قسوة ممّا توقعوه. فتكاليف الدراسة والمعيشة في ارتفاعٍ مستمر، والمنح الدراسية محدودة أو مشروطة، والاعتراف الأكاديمي بشهاداتهم أو خبراتهم السابقة ليس دائماً مضموناً. بعض الجامعات تشترط معادلات معقّدة أو اختبارات إضافية، ما يجعل الطالب يبدأ من الصفر تقريباً، رغم سنوات الدراسة التي أمضاها.
 
تضاف إلى ذلك صعوبات الحياة اليومية.. الحصول على إقامة قانونية، أو إيجاد سكنٍ مناسب، أو العمل إلى جانب الدراسة لتغطية النفقات. كثير من الطلاب السوريين يعملون في مهنٍ مؤقتة أو شاقة لساعاتٍ طويلة، ممّا يؤثر في تحصيلهم العلمي، وعلى صحتهم النفسية. وبين ضغط الدراسة والعمل والبعد عن الأهل، يتحوّل حلم التعليم إلى صراعٍ يوميٍّ من أجل البقاء. ومع ذلك، يبقى الحلم السوري بالتفوق والتعلم حاضراً، إذ يصرّ كثيرون على إكمال دراستهم رغم كلّ العراقيل، مدفوعين بالأمل في مستقبلٍ أفضل.
 
لكن المفارقة الكبرى تبدأ حين يقرّر هؤلاء العودة إلى سوريا، إما لاستكمال تعليمهم أو لتصديق شهاداتهم والسير في طريقهم المهني. هناك، يصطدمون بجدارٍ آخر من التعقيدات الإدارية والقرارات المتبدلة. فبعض القوانين القديمة ما زالت مطبقة رغم تغير الظروف، في حين تصدر قرارات جديدة تزيد الأمر تعقيدًا، لتضيف على كاهل الطالب أعباء جديدة.
 
تبدأ المعاناة من متطلبات التصديق والمعادلة، إذ يجد الطالب نفسه مطالباً بتقديم وثائق يصعب الحصول عليها من بلد الاغتراب، أو بالخضوع لاختبارات لا تتناسب مع مساره الدراسي. بعضهم يُفاجأ بعدم الاعتراف الكامل بسنوات دراسته في الخارج، فيُطلب منه إعادة بعض المواد أو الفصول الدراسية، وكأنّ كلّ ما أنجزه لا يُحتسب. آخرون يعلقون بين لوائح متغيرة لا تراعي واقعهم، فتتوقف معاملاتهم لأشهر وربما سنوات، ما يفقدهم الأمل والدافع للاستمرار.
 
وربما تكمن جذور المشكلة الأبرز في مسألة التصديق والمعادلة، لا في الاعتراف الأكاديمي بحدّ ذاته. فهذه العملية التي يُفترض أن تكون إجراءً إداريًا بسيطًا، تحوّلت إلى متاهةٍ طويلة من الأوراق والمراجعات، وإلى حاجزٍ يحول دون متابعة الطالب لحياته المهنية. كثير من الطلاب يجدون أنفسهم عالقين بين وزارتين أو جامعتين، ينتظرون ختمًا أو توقيعًا قد يغيّر مصيرهم، وكأنّ المعرفة تُقاس بعدد الأختام لا بمقدار الجهد الذي بُذل في تحصيلها.
 
إنّ الحلّ هنا لا يكون في التنازل عن المعايير أو القبول بشهاداتٍ ضعيفة المستوى، بل في بناء جسر قانوني وإداري واضح بين الدول، سواء عبر اتفاقيات ثنائية تنظّم عمليات التصديق والمعادلة، أو من خلال انضمام سوريا إلى اتفاقية الأبوستيل التي تعتمدها العديد من الدول لتبسيط توثيق الشهادات والمستندات الرسمية. مثل هذه الخطوة لا تعني التفريط بمعايير التعليم، بل على العكس، تضمن الشفافية وتقلّل من فرص التلاعب والفساد، وتُسهم في حماية القيمة الحقيقية للشهادة العلمية.
 
 
إن إيجاد حلّ جذري لمشكلة التصديق لا يحتاج إلى تنازلات، بل إلى رؤية وطنية قائمة على التعاون والانفتاح والمسؤولية. فالمعرفة ليست سلعة تُباع أو تُقايض، بل هي رصيد الأمة وكرامتها. وما لم تُبنَ آلية عادلة وواضحة تعيد الثقة بين الطالب ومؤسساته التعليمية، ستبقى أحلام آلاف الشباب معلّقة بين وطنٍ ينتظر عودتهم وبيروقراطيةٍ لا تنتهي.
 
وفي الوقت نفسه، يعيش الطلاب داخل سوريا تحديات لا تقلّ صعوبة، من ضعف الإمكانيات التعليمية إلى تراجع مستوى الخدمات الجامعية وندرة الفرص بعد التخرج. هذا الواقع يدفع كثيرين للتفكير مجددًا بالهجرة أو الدراسة في الخارج، لتبدأ الدائرة مجدداً..
غربة قاسية تستهلك العمر والطاقة، وعودة معقّدة مليئة بالعقبات.
 
ورغم كلّ هذه التحديات، يبقى الطلاب السوريون نموذجًا للصبر والإصرار. فبين من يواصل دراسته عن بُعد، ومن يعمل ويدرس في آنٍ واحد، ومن يحاول معادلة شهادته لبدء حياة جديدة، تتجلّى روح المثابرة التي تميزهم. غير أن هذه الجهود الفردية تحتاج إلى دعمٍ مؤسساتيٍّ واضح يضمن لهم العدالة والاستقرار.
 
فما يحتاجه الطالب السوري اليوم ليس مجرّد فرصة تعليمية، بل منظومة تعليمية مرنة تراعي واقع اللجوء والاغتراب، وتضمن الاعتراف بشهاداتهم وخبراتهم دون تعقيدات بيروقراطية. كما يحتاج إلى دعمٍ نفسي ومادي يعينه على تجاوز الغربة، وإلى قراراتٍ وزارية واضحة ومستقرة تحترم تضحياتهم ولا تجعلهم ضحية التغيير المستمر في القوانين.
 
ويبقى السؤال عند الطلاب مفتوحاً ومؤلماً في آنٍ واحد..
هل سيأتي يوم يصبح فيه التعليم بالنسبة للطلاب السوريين جسرًا نحو المستقبل، لا اختبارًا للصبر والمعاناة؟ أم ستبقى أحلامهم مؤجلة بين حدودٍ مغلقة وقراراتٍ لا تنتهي؟
وبين الغربة والعودة، تظل معاناة الطلاب السوريين مرآةً لواقعٍ أكبر من التعليم ذاته، واقعٍ يختبر قدرتهم على الصمود في وجه كل ما فقدوه، وإيمانهم بأنّ المعرفة لا تُقهر، حتى لو طال الانتظار.
 
شارك

مقالات ذات صلة