سياسة

​​هل الدعوة إلى حل جماعة إخوان سوريا محقّة؟

أكتوبر 30, 2025

​​هل الدعوة إلى حل جماعة إخوان سوريا محقّة؟

محاولة التوفيق بين الإسلام السياسي من منظور الإخوان والتنوّع الثقافي وتعدّد الطوائف في سوريا، ومصلحة دول الجوار، سينتهي إلى صدامٍ حتمي، ويؤسّس صعودهم لثوراتٍ مضادة تتلاحق بدعمٍ من دولٍ عديدة لها مصلحة بذلك، وتنتهي باندثار أمجاد دمشق التي تُبنى اليوم بحذرٍ ورجاء، وخوف من تكرار تجارب فاشلة مرّت على دولٍ انتصر فيها الربيع العربي وتلاشى سريعاً، وهذا الخوف ما زال حاضرًا عند السوريين رغم مرور ما يقارب عاماً على انتصار الثورة.تجارب سابقة ومخاوف حالية.البلاد تتّسع لكلّ السوريين والجماعات تضيق بنفسها، ولا مجال للمفاضلة بين اثنتين، ناهيك عن مخاوف السوريين من تكرار تجربة الرئيس محمد مرسي في مصر، وحساسيتهم العالية من تقارب معظم فروع الإخوان مع محور إيران في المنطقة العربية.استفاد الرئيس أحمد الشرع من فشل تنظيمات وحركات جهادية وأحزاب سياسية، وتعلّم من تجارب غيره، ويعيد اليوم تعريف وصياغة الاعتدال بوجهٍ جديد ومفهوم هجين لا يشبه غيره، لا يضع كلّ أوراقه في سلة واحدة، ولا ينحاز لمحور على حساب آخر، منطلقاً من أخطائه وأخطاء غيره، ومن مسيرة عمليّة طويلة جمعت بين القلم والسلاح، وخالط فيها كل العقليات والمشارب الفكرية من سجن بوكا في العراق إلى العمل الميداني في سوريا خلال الثورة، وهو ما تفتقده جماعة الإخوان بسبب تهجير نظام الأسد لكوادرها ونفيهم خارج سوريا، وبالتالي استطاع عزلهم عن المجتمع السوري، وحرمهم من خوض أيّ تجربةٍ سياسية عملية، وهرمت الكوادر في المنفى بين النظريات وأروقة الكتب، يقول المرجعية الفكرية لحركة أحرار الشام أبو يزن الشامي تقبله الله: “الثورة على الأوراق تنتهي في المقاهي، والثورة بالسلاح تنتهي في الجبال، وثورة الأوراق والسلاح تبني الدول”.وسيلة لا غاية.إنّ التنظيمات وسيلة للوصول إلى هدف، وليست غاية بذاتها، وتجربة الرئيس أحمد الشرع من فكّ الارتباط بتنظيم القاعدة إلى تشكيل جبهة فتح الشام ثمّ هيئة تحرير الشام وإعلان حلها عند دخول دمشق أكبر برهان ودليل من الحاضر القريب على ضرورة مواكبة ضرورات كلّ مرحلة، فالتنظيم الذي كان ميزة في الماضي قد يكون عبئاً في الحاضر، والعاقل من تخفّف من الأعباء وتجرّد ممّا يثقل الكاهل، لأنّ الدولة أكبر من الجميع، وإنّ قرار حل جماعة الإخوان في سوريا بعد الانتصار التاريخي خدمة كبيرة تقدّم لحاضر البلاد ومستقبلها وتصب في المصلحة الوطنية العليا، تثبّت الحكم وتسرّع بخطوات عودتها إلى عمقها العربي، وتُحرّر الأفراد من قيود التحزّبات وتدفع بهم نحو الانخراط في الدولة الجديدة وتوظيف قدراتهم وطموحاتهم للنشاط في مؤسساتها كأفرادٍ متجرّدين، كأفرادٍ لا كتيّارات داخل الدولة، وألا يخرجوا من الباب ويعودوا من النافذة عبر منظمات إنسانية ومؤسسات مجتمعية تحافظ على تكتلات وشبكة علاقات تعيد الترويج لأفكار التنظيم بأسلوبٍ ناعم، والأموال التي ستتدفق لتمرير ذلك يكون توظيفها في إعادة الإعمار وبناء الوطن خير ممّا سبق.إنّ الجماعة بعد سقوط النظام ليست ذات أثر أو نشاط سياسي على الأرض ولا مكاتب لها في سوريا، ولا تعدو كونها تقوقعاً على الذات اختارت دائماً العمل في الظل والاستئثار بالجزء وتفضيله على الكل، وهو ما يفسر هبوط مستوى الشفافية مع الشارع السوري، واسماً ربما يتسبّب بضغوط من دول تتخوّف من وجوده لأنّ أهداف الجماعة ذات أبعاد كبيرة بشعارات ضخمة وأدوات صارت من إرث الماضي الذي يجب تجاوزه بمراجعةٍ فكرية ضرورية ولا عيب في ذلك، ولا تؤمن بالتغيير إلا من خلال وصولها لسدة الحكم، ووجودها بعد سقوط الأسد مع ارتباطات إقليمية لفروع ثانية من الجماعة قد يكون له أثر سلبي في وقت تحاول فيه القيادة السورية أن تكون على مسافة واحدة من الجميع، وتؤدي توازناً معيناً لا تنحاز فيه إلى محور تُحسب عليه ولا تدخل في شبهات، لأنّ سوريا تتبع مصلحة سوريا لا مصلحة محور بذاته.لماذا حل الجماعة ضرورة؟الجماعة الآن بين خيارين، إمّا الاستمرار في العمل والنشاط وهذا غير ممكن في محيط إقليمي معقّد ووضع داخلي يتطلب حسابات كثيرة، أو حل نفسها ومنح أعضائها حيّزاً للعمل كأفرادٍ مستقلين، ومنح البلاد دفعة نحو الاستقرار السياسي والحفاظ على علاقات متوازنة مع محيطها، وهذا ينتج مزيداً من الدعم الدبلوماسي العربي وتدفق الاستثمارات إلى سوريا الجديدة، وغير ذلك من العمل في الظلّ والغرف المغلقة يخنق الشفافية، وينفخ في الغموض ويعطل جهود بناء الدولة الحديثة.في نهاية المطاف، هذا المقال ليس عدائياً، ولم يكتب بدافع الانتقاص والتهوين من تاريخ جماعة أذاقها الأسد ويلات العذاب التي دوّت في أرجاء السجن الصحراوي في تدمر، ولا يحمل مشاعر الكراهية تجاه من نُفي خارج البلاد وتحمّل تبعات الموقف، ولا يحرض على الصدام مع من تبقى منها، بل هو بكلّ سطر فيه دعوة إلى كلمة سواء، دعوة ليكون قرار حل الجماعة نابعاً من ذاتها بموقف مسؤول يخرج من الهيكل التنظيمي المغلق إلى رحاب وطن يمنح الجميع فرصة لمشاركة أوسع وتأثير أكبر.
شارك

مقالات ذات صلة