سياسة

خطاب الشرع في الأمم المتحدة: بين حكاية جديدة للتاريخ السوري وتحديات بناء الدولة

سبتمبر 25, 2025

خطاب الشرع في الأمم المتحدة: بين حكاية جديدة للتاريخ السوري وتحديات بناء الدولة

في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ80، ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع خطاباً مساء أمس الأربعاء، قدّم فيه ما وصفه بـ”الحكاية السورية الجديدة” بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. الخطاب الذي تضمن إشارات قوية إلى جرائم النظام السابق، ومحاور داخليّة وخارجيّة واقتصاديّة بدا محاولة لإعادة صياغة شرعيّة سياسيّة ودستورية للدولة السورية الوليدة، واستعادة موقعها على الخارطة الدولية.

 

 

حكاية جديدة للتاريخ السوري

افتتح الشرع كلمته بتوصيف الحكاية السوريّة بأنّها “حكاية تهيج فيها المشاعر ويختلط فيها الألم بالأمل”، مؤكداً أنّه جاء من دمشق “عاصمة التاريخ ومهد الحضارات”. وركز على أنّ سوريا عاشت 6 عقود تحت سلطة “ظالمة غاشمة” ارتكبت أبشع المجازر بحق السوريين.

 

وأكد الشرع أنّ النظام السابق استخدام البراميل المتفجرة والتعذيب الممنهج، وتسبب في مقتل نحو مليون إنسان وتهجير ما يقارب 14 مليوناً، وتدمير مليوني منزل، فضلاً عن أكثر من 200 هجوم موثق بالأسلحة الكيميائيّة. وشدّد الشرع على أنّ هذه الحقائق أنهت أيّ إمكانية لحلّ سياسي في ظل النظام البائد.

 

وفي لهجة لافتة، قال الشرع إنّ سوريا “انتصرت في معركة المظلومين والمعذبين والمختفين قسراً”، مؤكداً أنّ النصر كان وفاءً “لأمهات الشهداء والمفقودين ومستقبل أبنائنا وأبنائكم”. وتعهد بتقديم كلّ من “تلطخت يداه بدماء السوريين” إلى العدالة، مشيراً إلى تشكيل لجان تقصّي حقائق ومنح الأمم المتحدة الإذن بالتحقيق “في خطوة اتسمت بشفافية غير معهودة في سوريا”.

 

 

محاور الخطاب:

توقف الشرع مطولاً عندما تحقق داخلياً منذ سقوط النظام، موضحاً أنّ الحكومة الانتقالية عملت على “ملء فراغ السلطة” وإطلاق حوار وطني جامع وتشكيل حكومة كفاءات، إضافة إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتنظيم انتخابات مجلس الشعب المقبلة.

 

واعتبر أنّ هذه الخطوات تعكس جدية السلطة الجديدة في بناء مؤسسات ديمقراطية، لكنّه أقر في الوقت نفسه بوجود محاولات داخليّة وخارجيّة لإثارة النعرات الطائفية وتنفيذ مشاريع تقسيم جديدة. كما حذّر من التهديدات الإسرائيلية المستمرة منذ كانون الأول/ ديسمبر، مشدداً على التزام سوريا باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وداعياً المجتمع الدولي لاحترام سيادة بلاده ووحدة أراضيها.

  

على الصعيد الاقتصادي، أوضح الشرع أنّ الدولة عدّلت قوانين الاستثمار، وأنّ كبرى الشركات الإقليمية والدولية بدأت بالدخول إلى السوق السورية للمساهمة في إعادة الإعمار. وقال إنّ سوريا “تعيد بناء نفسها عبر مؤسسات وقوانين ناظمة تكفل حقوق الجميع دون استثناء”.

 

اختتم الرئيس السوري كلمته بالتأكيد على دعم فلسطين والدعوة إلى “وقف حرب الإبادة الإسرائيلية فوراً” في غزة، معتبراً أنّ “استكمال الحكاية السورية” يتمثل في انتصار الحق على الباطل، مستشهداً بالآية القرآنية: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}.

 

 

الشرعية الجديدة والفصل عن الماضي

الرئيس السوري أحمد الشرع حاول من خلال كلمته أمام الجمعية العامة تكريس سياسة تقوم على الفصل التام بين “النظام السابق” وما بعده، مع تركيزه على الانتهاكات والجرائم كرسالة واضحة مفادها أن الشرعية الجديدة تستمد جذورها من نضال الشعب وتضحياته، وليست امتداداً لسلطة سابقة.

 

أما في الداخل، فقد سعى الشرع عبر حديثه عن الحوار الوطني وحكومة الكفاءات وإعادة هيكلة المؤسسات، إلى تطمين السوريين بأن المرحلة الانتقالية تتجه نحو ترسيخ دولة ديمقراطية. غير أن أسئلة عدة تبقى مطروحة حول مدى واقعية هذه الوعود في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الكبيرة.

 

على المستوى الإقليمي والدولي، بدا لافتاً تركيز الرئيس السوري على شكر تركيا وقطر والسعودية، في إشارة إلى تحالفات جديدة تعكس انتقال سوريا إلى محيطها العربي والإسلامي، في مقابل لهجة حادة تجاه إسرائيل لتأكيد تمسك دمشق بالصراع العربي – الإسرائيلي.

 

اقتصادياً، جاء حديثه عن تعديل قوانين الاستثمار ودخول شركات كبرى رسالة طمأنة إلى المجتمع الدولي بأن سوريا تتجه نحو الاستقرار وتفتح أبوابها أمام رأس المال، وإن كانت الأرضية الواقعية ما تزال هشة بفعل الحرب الطويلة.

 

 

أصوات الخبراء

على الصعيد السياسي، وحول الرواية الجديدة للتاريخ السوري، قال الباحث السوري والضابط السابق رشيد حوراني لـ “سطور”: إنّ الرئيس الشرع اعتمد في خطابه على 3 مبادئ أساسية باتت ملازمة لكل لقاءاته؛ أولها: توصيف معاناة السوريين تحت نظام الأسد البائد الذي عطل مسارهم الحضاري، ومن ثم الإصرار على توحيد المجتمع عبر العملية العسكرية التي رفعت شعار “نصر لا ثأر فيه”، وتجاوز كل محاولات النظام لتشويه صورة سوريا، والعمل على إنهاء آثار التهجير والمخدرات، مع انتظار الدعم الدولي لرفع العقوبات، دون إغفال معاناة الفلسطينيين في غزة.

  

أوضح حوراني أنّ الخطاب استعرض خطوات الحكومة السورية من تشكيل حكومة كفاءات وهيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية، مؤكداً أن الانقسامات الطائفية والعرقية هي من مخلّفات النظام السابق، وتعمل السلطة الحالية على معالجتها بالحوار والتنمية.

 

 

رسائل إلى الداخل السوري

رأى حوراني أنّ الخطاب كان موجهاً للداخل أكثر من الخارج، إذ عكس إدراك الرئيس معاناة السوريين، وركز على جبر الضرر. كما خص بالشكر تركيا وقطر والسعودية لدورها في دعم السوريين وتمكين الحكومة داخلياً وخارجياً.

 

على الصعيد الدبلوماسي والإقليمي، أكد الباحث في مركز “أبعاد”، فراس فحام، لـ “سطور”: أنّ توجيه الشرع الشكر لتركيا والسعودية وقطر يتسق مع التموضع السوري الجديد بعد سقوط الأسد وخروج إيران من المعادلة، إذ تعكس هذه الخطوة عمق العلاقات مع الدول الثلاث التي كانت داعمة للمعارضة السورية، وأصبحت اليوم رافعة للسلطة الجديدة. وأضاف أن هذه الدول تمتلك قدرات دبلوماسية تخوّلها فتح آفاق دولية أمام سوريا، مستشهداً بدورها في رفع العقوبات الأمريكية الأخيرة.

 

ورأى فحام أنّ الخطاب يؤسس بالفعل لمرحلة جديدة، حيث قدّمت سوريا نفسها دولة منفتحة تسعى إلى علاقات متوازنة مع الجميع، باستثناء من يعتدي عليها.

  

كما أوضح أنّ لهجة الشرع تجاه إسرائيل انطلقت من الدفاع عن النفس واستنكار الاعتداءات، لا من موقع الاصطفاف ضمن “محاور” كما في الماضي. وهذا يعكس تحوّلاً في السياسة الخارجية السورية نحو مقاربة أكثر توازناً.

 

 

التحديات أمام إعادة الإعمار

على الصعيد الاقتصادي، قال الباحث الاقتصادي السوري، حيان حبابة، لـ “سطور” حول قوانين الاستثمار، إنّ القيادة الجديدة بدأت مباشرة بتعديل القوانين الاقتصادية ومعالجة الفساد والبطالة المقنعة، وإعادة هيكلة المؤسسات بما يتيح بيئة استثمارية مشجعة. وأكد أنّ هذه الإصلاحات تهدف إلى استعادة الثقة المفقودة بالاقتصاد السوري عبر ضمانات أمنية ومالية للمستثمرين، تشمل حرية تحويل الأموال والأرباح وإعفاءات ضريبية وجمركية.

  

لفت حبابة إلى أنّ القوانين الجديدة تحاول بناء هوية اقتصادية جديدة قائمة على الشفافية والمساءلة، وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وأشار إلى أنّ الأولوية ستتركز على إعادة إعمار البنى التحتية والرقمية، وتسهيل الإجراءات عبر “النافذة الواحدة” للمستثمرين. لكنّه أقر بأنّ الاستقرار الأمنيّ والسياسيّ يبقى شرطاً أساسياً لنجاح هذه الجهود.

 

 

إنّ خطاب الرئيس أحمد الشرع أمام الأمم المتحدة يلخص ملامح مرحلة انتقاليّة دقيقة في التاريخ السوريّ: بين طموح استعادة الشرعية الدولية وبناء دولة جديدة، تقف أمام تحديات كبرى تتعلق بإعادة الإعمار وضبط الأمن وتحقيق العدالة الانتقالية.

 

 

الخطاب قدّم رواية رسمية متماسكة، لكنّه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام نقاش واسع: هل تنجح السلطة الجديدة في تحويل هذا الانتصار الرمزي إلى مؤسساتٍ راسخة وحياة سياسية مستقرة؟ أم أنّ أشباح الماضي ستظل عائقاً أمام بناء سوريا جديدة تنشدها الملايين؟

شارك

مقالات ذات صلة