سياسة
قد لا يعلم الكثير هذا الأمر عني، فمنذ سنوات وأنا أتلقى دعوات من مراكز وقوى شبابيّة سورية، ومن ثوار الداخل، ومن حكومة الإنقاذ الانتقاليّة في إدلب والشمال المحرر، فضلًا عن مؤسسات أكاديمية افتراضية وجماعات ثقافية ومجتمعية في تركيا وفي مناطق الشمال المحرر. وكانت تلك الدعوات في جوهرها تعكس رغبة حقيقية في أن أشارك معهم في البناء المعرفي والتدريب الإداري، وفي عقد ورش عملية تتناول قضايا الإدارة ونظرياتها، إلى جانب ورش متخصصة لفهم حركة التاريخ العربي والإسلامي السياسي، واستيعاب دروسه الكبرى بما يخدم الحاضر السوري ومستقبله، و كانت تلك الدعوات تحملني دائمًا إلى عالم من المسؤولية، وأشعر معها بشرف عظيم أن أكون جزءًا، ولو صغيرًا، في مسيرة البناء المعرفي التي حاول السوريون الأشاوس الحفاظ عليها في أحلك الظروف، ولقد ألقيت في ذلك عدة محاضرات وكان بعضها في جامعة الشمال في إدلب، وبعضها في مراكز سورية نشطة في إسطنبول، وكان آخرها قبل سقوط النظام بشهرٍ واحد، حيث تحدثت بكلِّ صراحةٍ مع شباب الحراك السوري عن أفضل طرق الحكم لمرحلة ما بعد بشار، ويومها نوّهت آنذاك إلى أمرٍ مهم والمحاضرة مسجلة في شهر نوفمبر 2024، وهو أنّ المرحلة التي ستكون بعد سقوط بشار، لا تتميز بوجود رفاهية الاختيار، وأنّ الحكم المباشر المنفرد قد يكون الطريق الأنسب مؤقتًا، إلى أن تستقر الأمور على أطيب وجه، ولم يكن ذلك دعوة مني إلى تطبيق الاستبداد السلبي، بقدر ما كان قراءة للواقع وتقديرًا لظروف بلد يخرج من أزمة طاحنة ويحتاج إلى قيادة حازمة تعبر به نحو برّ الأمان، ولعل الإدارة السورية –بقيادة السيد أحمد حسين الشرع – قد طبقته لاحقًا بشكلٍ غير مباشر.
وحين جاءتني الدعوة الرسمية الأخيرة لزيارة سوريا من عدة جهات حكومية، لم تكن نفسي مهيأة بصراحة إلا للخراب، فالصورة التي رسمها الإعلام والتقارير، بل وحتى بعض الأصدقاء، كانت سوداوية إلى حد القسوة: مطار سيّئ، انعدام للإنترنت والكهرباء، بنية تحتية منهارة، فنادق محدودة بالكاد تؤوي الزائرين، وانعدام شبه كامل للأمن، ولم أرد أن أفاجأ، فجهّزت نفسي لتقبّل مشاهد الدمار، وأقنعت نفسي أنني سأدخل إلى بلدٍ منكوب يحتاج سنوات طوالًا كي يعود إلى الحياة.
غير أنّني فوجئت بالمشهد على نحوٍ قَلبَ كل تلك التوقعات رأسًا على عقب، وجدت أمامي سوريا مختلفة تمامًا عن الصورة الذهنية التي رُسمت لي، نعم، هناك جراح وآلام، وهناك ندوب تركتها الحرب على جدران المدن ووجوه الناس، لكني لم أجد بلدًا منكسرًا أو غارقًا في الفوضى، بل وجدت بلدًا يحاول أن ينهض من بين الركام، ويثبت أنّه قادرٌ على الحياة، وقادر على استعادة عافيته.
منذ اللحظة الأولى لوصولي لدمشق الأبية، شعرت بدهشة لم تفارقني، البنية التحتية التي قيل لي إنها منهارة بالكامل ما زالت قائمة في صلبها العميق، بل إنها تسير بخطواتٍ وئيدة نحو الاستقرار الجزئي، وكذلك الطرقات والمباني، وحتى بعض المرافق العامة، كانت تحمل آثارًا واضحة لليد التي تريد أن تعيد البناء، نعم يا أصدقائي، الطريق طويل وقد يمتد من خمس إلى عشر سنوات، لكن قطار التنمية السورية قد تحرّك بالفعل، والسوريون ماضون فيه رغم قسوة الظروف.
والمشهد الأجمل الذي لم أستطع أن أتجاهله هو العلاقة بين الشرطة والشعب في سوريا، كنت أتهيأ أن أرى أجهزة أمنية متوجسة، أو تعاملًا جافًّا فيه قسوة كما اعتدنا أن نسمع من أعداء الثورة السورية وأعداء التوجه الذي كان يمثّل الادارة السورية الحالية سابقًا، لكن ما شهدته بعيني كان على النقيض تمامًا. رأيت بعيني عنصرًا من الأمن يقبّل رأس شيخ سوري مسنّ، بكل ودّ، محاولًا إقناعه بأنّ الطريق مسدودٌ وأنّ عليه أن يسلك طريقًا آخر، فكان المشهد إنسانيًّا بامتياز، يختصر علاقة جديدة تتشكل بين الدولة ومواطنيها.
وفي لقاء جمعني ببعض عناصر الشرطة، أثنيت على ابتساماتهم التي تزيّن وجوههم، وعلى لحاهم التي تعكس تمسّكهم بسنة قائدنا العربي النبيل. كان الجوّ مختلفًا، فيه قدر من الروحانية والطمأنينة، شعرت معه أنّ الأمن ليس مجرّد سلطة، بل هو صلة وجدانية بين المواطن والدولة.
وقد جلست في سوريا مع عدد من القيادات العسكرية والقيادات الحكوميّة في جلسات نقاش مطوّلة، وكانت تلك اللقاءات كاشفة بالنسبة لي، إذ أيقنت أنّ القوم ليسوا بالسذاجة التي يتصورها البعض في الخارج وكما يصورها الاعلام المعادي للثورة السورية، فقد وجدت أنّ المخططات الحكومية موجودة، ومدوّنة، ومرسومة بعناية، وأنّ لديهم سيناريوهات واقعية لتطبيق مشاريع تنموية تتناسب مع المرحلة الحالية، وقد لمست في حديثهم حسًّا عاليًا بالمسؤولية تجاه المواطن السوري البسيط، الذي لم يكن غائبًا عن ذهن أيّ مسؤولٍ سوري في الحكومة الحالية، بل كان حاضرًا في صميم النقاشات التي قمت بها معهم ، سواء مع القيادات المدنية أو العسكرية، وقد خرجت من تلك اللقاءات بشعورٍ أنّ البناء يجري بعقلانية، وأنّ ما يُخطط له ليس مجرد شعارات، بل رؤى تسعى لأن تُترجم إلى واقعٍ ملموس.
ولكن ما زاد دهشتي حقًّا وصدمتي و أسكت لساني و أطلق فكري للتأمل كثيرًا هو أنني وجدت نفسي أحاضر في مؤسسات حكومية مثل مكتبة الأسد الحكومية سابقًا في ساحة الأمويين، أمام شباب سوري، في قضايا سياسية وفكرية شائكة: طريقة الحكم، نظم الإدارة العامة، واستراتيجية النقد البنّاء، بل حتى الحديث العلني عن الأخطاء الحكومية وسبل معالجتها، لم أتوقع أن يكون هناك هذا القدر من الانفتاح في النقاش لدى شباب وشابات سوريا، ولا أن أجد حرية التعبير متاحة في تلك القاعات. كنت مذهولًا، وكأنني في بلد غير الذي صُوّر لي عبر السنوات.
أما السوريون أنفسهم، فقد أثبتوا أنّ معدنهم لا يصدأ، فالكرم الذي وجدته يفوق الوصف، كلّ من التقيته كان يحرص على خدمتي ومساعدتي، لا لشيءٍ سوى الرغبة الصادقة في أن يستعيدوا صورة سوريا التي عرفها العرب قديمًا، فهي مأوى العرب والعروبة والأخلاق. كان الكرم عندهم فعل مقاومة، كأنهم يقولون للعالم: قد نخسر بعض الحجر، لكنّنا لن نخسر الروح ولا الخُلق.
وحتى على صعيد الخدمات التي يبحث عنها السائح العربي و الخليجي، لم تكن الصورة بذلك السواد الذي كنت أتخيله، فالمطاعم الفاخرة ما زالت قائمة، والكافيهات الحديثة تعجُّ بروّادها، والمنتزهات تفتح ذراعيها للزائرين، ولا أظن أنّ أحدًا يمكنه أن يتجاهل الذائقة السورية في الطعام والمأكولات والحلويات، تلك الذائقة التي صنعت لنفسها تاريخًا ومكانة في قلوب العرب وأهل الخليج، وقد كان من كرم الإخوة السوريين أن أطعموني من كل محافظة “حلاوة الجبن”، وما كان مني إلا أنّني عجزت عن التمييز بينها لحلاوة الطعم السوري الأصيل، وفي لحظة مازحة، وجدتني أتساءل مع الأحباب السوريين عن هذه “المعركة الشرسة” في السوشيال ميديا بين حلاوة الجبن الحموية والحلبية ، أيّهما الأطيب وأيهما الأجدر بحمل اللقب! غير أنني أيقنت أنّ النكهة السورية في مجملها، أيًّا كان مصدرها، تحمل روحًا واحدة تذيب الفوارق بين المحافظات وتترك في فمي طعمًا وأثرًا لا يُنسى.
يا أصدقائي.. لقد خرجت من هذه الزيارة بانطباعات جديدة، نعم ، صحيح أن سوريا تحمل جراحًا غائرة، لكن ما رأيته من عزيمة وصبر يعطيني يقينًا أنّ المستقبل ليس بعيدًا كما يظنّ البعض، وقد تحتاج البلاد خمس سنوات الى عشر سنوات حسب وجهة نظري، ولكن الأهم أنّ المسار وُضع، والعجلة دارت والمسار قد انطلق، وأنّ السوريين اليوم لا يكتفون بالنجاة، بل يريدون البناء، يريدون أن يعودوا ليكونوا قلب العروبة النابض كما كانوا.
إنني حين أقارن بين الصورة المسبقة التي حملتها معي، والواقع الذي عشته هناك، أجد أنّ الفرق شاسع، بين الخراب المرسوم في الأذهان، وبين الجمال الذي يتجلى في الشوارع والوجوه، تتضح المفارقة الكبرى والصورة الحقيقية وهي: أنّ سوريا ليست مجرّد بلد خرج من حرب، بل هي بلد ينهض ليقدّم درسًا للعالم في الصبر والبناء، وأنّ الناس في سوريا ليسوا غارقين في الحزن كما توقعت، بل وجدت في وجوههم ابتسامة وصبرًا، وفي قلوبهم يقينًا أنّ الغد أفضل، كأنهم تعلموا أنّ الألم لا يُلغى، لكن يمكن تحويله إلى قوة تدفع نحو التقدّم.




