سياسة

المسؤولية الأخلاقية والقانونية في ممارسة السلطة: تجربة الوزير نضال الشعار

أغسطس 31, 2025

المسؤولية الأخلاقية والقانونية في ممارسة السلطة: تجربة الوزير نضال الشعار

 

تُعد ممارسة السلطة مسؤولية جسيمة، إذ لا تعني امتيازاً أو أفضلية بقدر ما تضع على عاتق المسؤول واجباً أخلاقياً وقانونياً تجاه المجتمع. وفي السياق السوري، حيث عانى الشعب طويلاً من استغلال النفوذ وتجاوز القانون، تأتي مواقف بعض المسؤولين أمثلة مضيئة تعيد الثقة بجدوى العمل العام. ومن بين هذه المواقف ما رواه الوزير الحالي نضال الشعار حول حادثة بسيطة لكنها ذات دلالات عميقة تتعلق بمفهوم السلطة والالتزام بالقانون.

 

ذكر الوزير أنه رغب منذ أسابيع بتركيب ألواح طاقة شمسية في منزله بمدينة حلب، مع الحرص على أن لا يسبب أي إزعاج للجيران أو ضرر لأحد. غير أن أحد الجيران اعترض، الأمر الذي دفع بلدية حلب للتدخل ووقف عملية التركيب. ورغم مكانته كوزير حالي، لم يلجأ الشعار لاستخدام نفوذه أو تجاوز القانون، بل استجاب لقرار البلدية، احترماً لاعتراض الجار، وقرر تحويل المشروع إلى مكان آخر تبرع به جار آخر.

 

هذا الموقف يجسد جوهر ما يجب أن تكون عليه ممارسة السلطة. إذ إن الوزير لم ينظر إلى منصبه وسيلة لفرض قراره، بل مسؤولية تُلزمه باحترام القانون وصوت المواطن. لقد اختار طريق الشفافية والالتزام، فأكد أن أصحاب المناصب ليسوا إلا خدماً لمجتمعهم، وأن صوت المواطن السوري هو المرجعية الأولى.

ما فعله الوزير الشعار يعكس المبادئ التي شكّلت أحد أهم أسباب وأهداف الثورة السورية: إنهاء الاستبداد، رفض استغلال النفوذ، وبناء دولة قائمة على العدالة والمساواة والمحاسبة. فالتغيير الحقيقي لا يكون بتبديل الأسماء، بل بترسيخ قيم جديدة تجعل من السلطة أداة لخدمة الناس لا وسيلة لتقييدهم

 

مسؤولية المواطن وممارسته لحقه القانوني

ما قام به المواطن الذي اشتكى إلى بلدية حلب لم يكن تصرفاً عبثياً أو بدافع شخصي  بل ممارسة طبيعية لحقه الذي يكفله القانون. فالقانون يضمن لكل فرد حق الاعتراض إذا شعر بأن هناك ما قد يضر بمصلحته أو ينعكس سلباً على حياته اليومية، حتى لو كان الأمر مجرد تركيب ألواح طاقة شمسية عند جاره. هذا التصرف يعكس وعياً قانونياً لدى المواطن، إذ لجأ إلى القناة الرسمية (البلدية) بدل الدخول في نزاعات شخصية أو تجاوز النظام وهنا تبرز الصورة المتكاملة: المسؤول (الوزير) التزم بحدود القانون ولم يستخدم منصبه لتجاوز اعتراض الجار، بينما المواطن مارس حقه الطبيعي في الشكوى بالطرق القانونية. هذه العلاقة تعكس النموذج المطلوب في أي دولة قانون: مسؤول يعرف أن سلطته ليست مطلقة، ومواطن يعرف أن صوته مسموع وأنه قادر على حماية حقوقه بالوسائل المشروعة

 

 

الدروس والعِبر

إن ما قام به الوزير نضال الشعار لا يجب أن يُنظر إليه كموقف فردي، بل كدرس ينبغي أن يتعلم منه كل من يمتلك سلطة أو نفوذاً، أياً كانت درجته أو موقعه. سواء كان مسؤولاً كمختار حي، أو قائد فصيل، أو مدير مؤسسة مدنية، أو حتى فرداً يحمل السلاح ويتبع لجهاز أمني، فإن عليه أن يدرك أن سلطته ليست وسيلة للهيمنة، بل أمانة تستوجب التعامل بمسؤولية، والالتزام بالقانون، واحترام الناس

بهذا، تصبح الحادثة درساً مزدوجاً: الوزير الذي أدرك أن منصبه لا يضعه فوق القانون، والمواطن الذي أيقن أن القانون أداة لحمايته وليس مجرد سلطة ضده. وهذا التكامل هو الأساس لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع

 

ختاماً 

حادثة الوزير نضال الشعار رغم بساطتها، تختزل معاني كبرى في ممارسة السلطة والمواطنة معاً. فهي تبرز أولاً أن المسؤول الحقيقي هو من يدرك أن منصبه ليس امتيازاً يضعه فوق الآخرين، بل تكليفاً يُلزمه بالخضوع للقانون كما يخضع أي مواطن آخر. وفي الوقت ذاته، تؤكد أن المواطن ليس طرفاً سلبياً في معادلة الحكم، بل شريكاً فاعلاً حين يمارس حقوقه ضمن الأطر القانونية ويثق بأن القانون هو المرجعية العليا

 

لقد قدّم الوزير نموذجاً لمسؤول يعرف حدوده، وقدم المواطن نموذجاً لمواطن يعرف حقوقه. بهذا التلاقي بين المسؤولية من الأعلى والوعي من الأسفل، تتشكل اللبنات الأولى لدولة العدالة والقانون. دولة لا تقوم على الخوف أو النفوذ أو الاستثناءات، بل على الاحترام المتبادل بين المواطن والمسؤول، وعلى يقين راسخ بأن القانون فوق الجميع.

 

إن المفهوم الأعمق هنا هو أن بناء مجتمع عادل لا يعتمد فقط على نزاهة المسؤولين، ولا على وعي المواطنين، بل على التزام الطرفين معاً بمبدأ الشراكة المتوازنة: مسؤول يحترم القانون ويخضع له، ومواطن يمارس حقوقه ويحترم واجباته. وعندها فقط تتحقق الثقة المفقودة بين الدولة والشعب، وتصبح السلطة وسيلة لخدمة الناس لا عبئاً عليهم.

 

ولعل مثل هذه المواقف البسيطة، حين تتكرر وتترسخ كثقافة عامة، هي ما يعيد الأمل للسوريين بأن ثورتهم لم تكن عبثاً، بل خطوة في طريق طويل نحو إقامة دولة عادلة، يسودها القانون، وتعلو فيها قيمة المواطن كمرجعية أولى، ويُنظر إلى السلطة كأمانة لا كامتياز.

 هذه هي الرسالة الجوهرية: لا عدالة بلا مسؤول خاضع للقانون، ولا حرية بلا مواطن واعٍ بحقوقه، ولا دولة بلا التقاء الطرفين على أرضية المصلحة العامة

شارك

مقالات ذات صلة