مشاركات سوريا

داريا.. المدينة التي ودّعت شهداءها قبل أن تُهجر

أغسطس 28, 2025

داريا.. المدينة التي ودّعت شهداءها قبل أن تُهجر

الكاتب: حمزة أبو حسون

 

تخيل نفسك في مدينة داريا وفي يوم تهجيرها، وبعد قرابة 4 سنوات من الحصار في فترة هي الأطول في الثورة السورية. نداء مفاجئ لجميع المقاتلين والمرابطين في المدينة: “الاجتماع في جامع الرحمن”، ليتم الإعلان فيه عن اتفاق التهجير الذي سيُخلي المدينة من أهلها جميعهم مدنيين وعسكريين لتبقى داريا خاليةً إلا من الدمار والأنقاض بعد سنوات من القصف الدامي الذي تعرضت له منطقةٌ تُقدر مساحتها ببضعة كيلومترات، وبمختلف أنواع الأسلحة.

 

 

انتظر مرابطو المدينة هذا اليوم، لكن أحداً لم يتوقع كيف سيأتي..

 

لم يعرفوا كيف سيستمرون بالصمود بسلاحهم الفردي الخفيف في تلك البقعة التي تبعد عن العاصمة دمشق 8 كيلومترات وفي ظل شحّ السلاح وانقطاع الإمدادات، أما مستودعات المواد الطبية والغذائية فقد أنذرت بقرب نهايتها خلال أيام معدودة.

 

 

والأسوأ من ذلك كان صمت الخذلان الذي لطالما عاناه أهالي داريا منذ بداية حصارهم. “لقد خُذلت داريا عندما حاصرها الأسد” رغم الوعود بالفرج والنُصرة التي كانت تصلهم من هنا وهناك إلا أنها بقيت حبراً على ورق وكلاماً سمع منه الدارانيّون الكثير، لكن أيّاً منه لم يتحقق على الأرض.

 

أما الضربة القاصمة، فهي القصف الذي تعرض له المشفى الميداني الوحيد في داريا بقذائف النابالم الحارقة، ولأول مرة يُحرق المشفى الميداني بالكامل ولا قدرة للطاقم الطبي هذه المرة على إعادة ترميمه، وبذلك فقدت المدينة أهم عامل من عوامل صمودها، فأصبح لزاماً على مقاتليها أن يتحركوا قبل فوات الأوان.

 

 

لقد طرقوا مختلف أبواب الوساطات هنا وهناك بحثاً عن حلٍ ما، لكن الجميع اعتذر، فملف داريا لن يفرط به الأسد وقد استحكم به أو كاد وهو الآمر والناهي فيه.

 

لقد فكروا بعملٍ عسكريٍ أخير يفتحون به منفذاً نحو مدينة “صحنايا” يُنقذون عبره من بقي من أهلهم المدنيين، أما هم فسيبقون بين أنقاض مدينتهم وبما بقي من ذخيرة لديهم ويقاتلون فيها حتى يلقوا الله وهم على ذلك.. كل الخيارات ممكنة.

 

 

وبينما يمضي الوقت، ظهرت “كنانة حويجة” وهي مذيعة في تلفزيون النظام الرسمي وابنة اللواء في جيشه أحمد حويجة، على أنها مرسلة من النظام لتفاوض أهالي داريا على تهجيرهم نحو إدلب في الشمال مقابل وقف الحرب، فحاول وفد المدينة أن يحسن من هذه الشروط، كأن يتم السماح لمن يرغب من المدنيين بالبقاء، فلم يبق أصلاً في داريا سوى قرابة 4000 مدني من أصل 300 ألف هم سكانها قبل الثورة..

 لكن رد النظام عبر كنانة حويجة كان صارماً: “سيتم إخلاء المدينة من العسكريين والمدنيين جميعهم ولن يبقى فيها أحد.. أو سيتم محو المدينة والقضاء على الجميع”.

 

 

 

نعم، سيتم تهجير الجميع

داريا هي المدينة الوحيدة تقريباً التي تم إخلاؤها من جميع أهلها المدنيين والعسكريين عبر ما سمي بـ “اتفاقات التهجير”.

 

قبيل الرحيل، توجه جميع الأهالي من تلقاء أنفسهم إلى مقبرة الشهداء ليودعوا أحبابهم وأهلهم الذين دفنوهم خلال الحصار، اجتمع الجميع في مقبرة الشهداء دون أن يتفقوا مسبقاً على ذلك ليُودعوا مدينتهم قبل أن يصعدوا على متن باصات التهجير.

 

لاحقاً، عندما استولت قوات النظام على المدينة، قامت بردم مقبرة الشهداء تلك وتسويتها بالأرض وتشويه معالمها.

 

ولاحقاً، عندما سقط الأسد وعاد أهل داريا الذين هُجروا قبل 9 سنوات، أعادوا بناء وترميم هذه المقبرة من ذاكرتهم عن المكان الذي ظلّوا محتفظين به رغم التهجير.

شارك

مقالات ذات صلة