مشاركات سوريا

من 1997 إلى 2025: فوضى الحواس تقرأ السوري الذي لم يخرج من حربه بعد

أغسطس 15, 2025

من 1997 إلى 2025: فوضى الحواس تقرأ السوري الذي لم يخرج من حربه بعد

في وقتٍ تتشابه فيه الحكاياتُ الشخصية مع خرائط الدم والسياسة، تأتي رواية “فوضى الحواس” للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي كمرآة عميقة المدى، عاكسةً ملامح نضال نساء في أوطان تنزف، هي حكاية امرأة تعيش التضحية والحبّ تحت القصف والدمار، بينما تتخلل شخصيتها صورة المرأة المقاتلة والمكافحة القوية، والتي تحتضن الأمل في زمن الخراب، في الجزائر كانت البطلات تخبئن الرسائل في حقائبهن ويعبرن الحواجز بثبات، وفي سوريا حملت النساء شعلة الثورة منذ يومها الأول: هتفن في الميادين، أسعفن الجرحى، خبزن للثوار، وكتبن بيانات الحرية في الغرف المظلمة.

 

مستغانمي تصوغ في نصّها عشقاً لا ينفصل عن أرضٍ تُقاوم، وكأنها تكتب عن نساءٍ سوريات لم يكتيفنَ بالجلوس ودور الشاهد، بل صرن فاعلات في كل ميادين النضال؛ من الخندق إلى الصف الدراسي، من المشفى الميداني إلى منصة الإعلام، وكما تحدّت بطلاتها الجزائريات رصاص المستعمر، واجهت السوريات براميل نظام الأسد البائد وحصاره، ثم حملن على أكتافهن مهمة إعادة الحياة وسط الرماد.. هكذا تتحول فوضى الحواس في قراءتنا اليوم إلى جسر بين تجربتين، وإلى نص يذكّرنا بأن الفوضى التي تبدأ في القلب يمكن أن تصنع ثورة في الوطن.

 

 

الأسلوب والذاكرة

من الصفحةِ الأولى، تأسُرنا أحلام مستغانمي بِلغتِها التي تنزفُ شعراً حتى وهي تسرد، جملها ليستْ حيادية، بل مشحونة بالعاطفةِ والرمز، فتجعلُ من القراءةِ تجربةً حسيّة كاملة؛ نسمع فيها وقع الرصاصِ كما نسمعُ دقات القلب.. هي لا تكتفي برواية الأحداث، بل تبني عالماً لغوياً يلتقط تفاصيل الحياة وسط الحرب، كأنها تؤرّخ لوجدانِ أمةٍ عبر حكاية حب، أسلوبها يوازن بين الجماليات البلاغية والجرأة في تصوير الواقع، فلا تترك القارئ في برّ الأمان، بل تدفعه إلى مواجهة المعنى الحقيقي للمقاومة.

 

هذا الأسلوب لا يمكن فصله عن ذاكرة الجزائر نفسها، التي وُلدت مستغانمي في كنفها، بلادٌ خرجت من استعمار فرنسي دام أكثر من 130 عاماً، ودفعت ثمن حريتها بدماءِ مئاتِ الآلافِ من الشهداء، في قلب تلك الملحمة، لم تكن المرأة الجزائرية مجرّد رمز في الخلفية، بل كانت فاعلة وشريكة في التحرير: حملت السلاح، خبأت المقاتلين في بيتها، هرّبت الرسائل تحت ثيابها، وصبرتْ على السجونِ والتعذيب. مستغانمي تنقلُ هذا الإرثَ إلى النص الأدبي، لتضع المرأةَ في مركزِ الفعلِ التاريخي، لا على هامشه.

 

في فوضى الحواس، تتجاوز البطلةُ حدودَ العاطفةِ لتصبحَ شاهداً ومشاركاً في صناعةِ الحدث، تماماً كما كانت الجزائريات في واقعهن. وهنا، يتحوّل السّرد إلى وثيقةٍ روحيةٍ عن معنى التضحية، وعن قدرة المرأةِ على أن تكونَ حارسةً للحب وحامية للوطن في آن واحد، هذه الخلفية تجعل الروايةَ أكثرَ من قصةٍ شخصية؛ إنها شهادة فنيّة على زمن النضالِ، تفتحُ البابَ لقراءة تجارب شعوبٍ أخرى عاشتْ المعاناة نفسها، ومنها سوريا.

 

 

بوابةُ الإسقاط السوري

مثلما اختلط في الجزائر صوت الرصاصِ بأغاني الحريّة، امتزج في سوريا هتاف الميادين بأصوات القصف حيث كانت المرأة داخل المشهد الثوري منذٌ اللحظة الأولى، ما عاشته بطلات مستغانمي في فوضى الحواس يجدُ صداه في ما فعلته النساء السوريات: فهن لم يكتفينَ بدورِ الشاهدِ على المأساةِ، بل كنّ من صانعي الحدث، متقدماتِ الصفوفِ في مواجهةِ الاستبداد.

 

مع اندلاعِ الثورةِ السوريّة عام 2011، كانت النساءُ السوريّات حاضراتٌ في المظاهراتِ السلميّة يرفعنَ الشعارات ويهتفن للحريّةِ، ثم انطلقن للعملِ الميداني “من الإسعاف في مشافٍ ميدانية وحتى التوثيقِ الإعلامي للانتهاكاتِ رغم خطورتهِ، وحتى قيادة المبادرات الإغاثيّة في مناطقِ النزوح والتهجير”، حتى في المُدن المُحاصرةٍ وقفنَ على خطوطِ النار يوزّعن الطعام على الثوار والجرحى، ويحمينَ الأطفال من القصف كما تحمي الأم قلبها.

 

هنا، تتقاطع التجربتان: المرأةُ الجزائرية التي هرّبت الرسائل عبر الحواجز، والمرأة السورية التي هرّبت الدواء تحت الحصار، الأولى كانت تواجه استعماراً أجنبياً، والثانية واجهت نظاماً مستبداً يتحدث لغتها، لكن قسوته لم تكن أقل فتكاً، في الحالتين كانت التضحيةُ فعلاً يومياً، والصمود خياراً وحيداً.

 

بهذا الربط، تتحول فوضى الحواس إلى جسرٍ بين ذاكرتين: ذاكرةُ الجزائرِ المحررة وذاكرةُ سوريا التي انتصرت على نظامٍ مستبّدٍ بعد 14 عاماً تقريباً.

 

المرأة السورية بين الحب والحرب

في قلب كل حرب، هناك قصص حبٍ تحاول النجاة، والمرأة السورية كانت دائماً حارسة لهذه القصص، حتى وهي تكتب فصولها بدموعها، كما في فوضى الحواس، حيث تتشابك العاطفة مع أصوات القصف، عاشت السوريات حكاياتهن وسط ركام البيوت، يخبئن رسائل الغائبين بين طيات الثياب، ويحتفظن بذكريات الفرح كأنها كنوز لا يجوز أن تسقط في يد الخراب.

 

الحب عند المرأة السورية لم يكن رفاهية، بل كان شكلاً من أشكال المقاومة، أن تطبخ لأسرتها في خيمة باردة، أن تحفظ صوراً قديمة من أن تبتلّ بمياه الأمطار، أن تكتب رسالة بخط اليد لزوجها المعتقل، كل ذلك كان فعل تحدٍّ في وجه الموت، لم تكن الحرب مجرد معركة على الأرض، بل صراعاً على المعنى، على أن تبقى الروح قادرة على الحلم.

 

في القرى المدمّرة، وفي أحياء الحصار، وفي مخيمات اللجوء، كانت السوريات يحاولن إعادة الحياة من اللاشيء، البعض منهن افتتح صفاً تعليمياً للأطفال وسط الدمار، أُخريات أنشأن مشاريع صغيرة لإعالةِ أُسرهّن، وأُخريات أصبحنَ أصواتاً في الإعلام تنقل وجع الناس للعالم، ومع كل ذلك ظلّ القلبُ حاضراً؛ لأن الحرب التي تُطفئ الحبّ تقتلُ ما هو أعمق من الجسد.

 

هذه القدرة على الجمع بين العاطفةِ والعمل، بين الحنانِ والقوّة، هي ما يجعلُ المرأة السورية بطلةً حقيقية، تشبه بطلات مستغانمي في النص، لكنها تحمل بصمتها الخاصة، التي كُتبت بمداد الألم والأمل معاً.

 

 

الذاكرة المشتركة وأهمية التوثيق

تسارعت الأحداث وطغت الفوضى على التفاصيل، فأصبحتِ الذاكرةُ أضعفَ مما نتصور، وأكثر عرضة للمحو المتعمّد أو النسيان العابر.. لذلك، فإن ما يربط بين تجربة المرأة الجزائرية في فوضى الحواس وتجربة المرأة السورية اليوم، ليس فقط التشابه في التضحيات، بل أيضاً الحاجة الماسة إلى حفظ هذه الحكايات للأجيال القادمة، فالحروب لا تُختصر في أرقام الضحايا أو خطوط الجبهات، بل في تلك القصص الصغيرة التي تشكّل الروح الحقيقية للمجتمع.

 

في الجزائر، بعد الاستقلال، كاد الكثير من بطولات النساء أن يُنسى أو يُختزل في صور رمزية سطحية، لولا أن بعض الكاتبات والمبدعين أعادوا رسمها بالكلمات، فحفظوا ملامحها من الضياع، وأحلام مستغانمي كانت واحدةً من هؤلاءِ الذين حوّلوا الذاكرةَ إلى نصّ، وجعلوا من القصة الشخصية مدخلاً لفهم التاريخ الإنساني.

 

اليوم، تواجه المرأة السورية الخطرَ نفسه: أن تُمحى قصتها تحت ركام الأحداث السياسيةِ والعسكرية، وأن يُذكر اسمها في الهوامش بدلَ أن يكون في المتن، فقد ساهمت في الثورة، وضمّدت الجراح، وأعالت العائلات، وحافظت على نسيج المجتمع من التفكك، لكن روايتها الكاملة لم تُكتب بعد، هنا تأتي أهمية الأدب والصحافة معاً، كجسرينِ لنقلِ هذه التجربة من الحياة اليوميةِ إلى سجل الذاكرة الجمعية.

 

التوثيقُ ليس فعلاً محايداً، بل هو موقف، حينَ نكتبُ عن النساءِ السوريات، فإننا لا نصفُ الماضي فحسب، بل نؤسسُ لوعيٍ جديدٍ بالمستقبل، نحن نمنحُ القارئ فرصةً ليرى كيف يمكن للقوةِ أن تتجسّد في هيئةِ أنثى، وكيف يمكنُ للحبّ أن يكونَ مقاومةً بقدرِ ما هو عاطفة.. هذه الحكايات، إذا أُهملت، سنفقدُ معها ليس فقط حقائقَ التاريخ، بل أيضاً الإلهام الذي يمكن أن يدفعَ جيلاً جديداً للنهوض.

 

من هنا، فإن إعادة قراءة فوضى الحواس في ظلِّ الواقعِ السوريِّ ليستْ مجرّد تمرينٍ أدبي، بل هي فعلُ مقاومة للزمن، وتأكيد على أن الفوضى، مهما كانت مؤلمة، يمكنُ أن تتحوّل إلى ذاكرةٍ حيّة تصنع الأمل.

 

ختاماً، بين صفحاتِ رواية مستغانمي “فوضى الحواس” وحقيقةُ النساءِ السوريات، تمتدُ خيوطٌ عريقةٌ وغير مرئية من التضحيّة والصمود”، وكأن التاريخ يعيد صياغة نفسه في جغرافيا مختلفة، ما كَتَبتهُ أحلام مستغانمي عن نساءِ الجزائر اللواتي واجهنَ المُستعمر، نراهُ اليوم في وجوهِ السوريات اللواتي تحدّين القصفَ والحصارَ والنزوح. في الحالتين، لم تكن المرأةُ ظلاً للرجل، بل كانت شريكتهُ في الثورةِ، وحارسةً لروح الوطن.

شارك

مقالات ذات صلة