سياسة
في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة منذ سنوات، استضافت العاصمة الأردنية عمّان في 12 آب/ أغسطس 2025 اجتماعاً ثلاثياً جمع ممثلين عن سوريا والولايات المتحدة والأردن، في لقاء اعتبره محللون إشارة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية الإقليمية والدولية. اللقاء، الذي ضم وزير الخارجية السوري المؤقت أسعد الشيباني، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس باراك، لم يكن مجرد تبادل للحديث الدبلوماسي، بل يمثل تجسيداً لمسار طويل من التحركات الإقليمية والدولية لإعادة ضبط الملف السوري بعد أكثر من عقد من النزاع.
توقيت الاجتماع في عمّان يعكس إدراك الأطراف الثلاثة لضرورة إيجاد أرضية مشتركة للتعاون في ملفات شائكة، أبرزها إعادة الإعمار، الاستقرار الأمني، ووقف الانفلات في مناطق النزاع المحلي، كما يحمل الاجتماع رسالة ضمنية بأن سوريا بدأت تدريجياً العودة إلى المشهد الإقليمي، بعد سنوات من العزلة السياسية والدبلوماسية، فيما يسعى الأردن للحفاظ على أمن حدوده ومصالحه الإقليمية، وتحرص الولايات المتحدة على تثبيت توازنها الاستراتيجي دون الانخراط المباشر في الصراع السوري الداخلي.
تأتي أهمية اجتماع عمّان في سياق تحولات إقليمية ودولية متسارعة. منذ بداية عام 2025، شهدت سوريا تغيرات ملموسة على الصعيد السياسي والإقليمي، في أيار/ مايو 2025، كان المبعوث الأمريكي توماس باراك بزيارة رسمية إلى دمشق، وتم رفع العلم الأمريكي على مقر السكن الرسمي للسفير، للمرة الأولى منذ إغلاق السفارة عام 2012، ما اعتبر مؤشراً على بداية مرحلة جديدة من التواصل الرسمي بين واشنطن ودمشق.
على الصعيد العربي، بدأت دول المنطقة، بما في ذلك الأردن، إعادة النظر في علاقاتها مع دمشق، خاصة في مجالات الأمن والتجارة والتعاون الحدودي، ففي كانون الثاني/ يناير 2025، تم تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين الأردن وسوريا لمكافحة تهريب المخدرات وتعزيز التنسيق الحدودي، ما يعكس اهتمام الأطراف بضبط الملفات الأمنية قبل التوسع في أي حوارات سياسية أو اقتصادية.
من ناحية داخلية، تمكنت الحكومة السورية من فرض حضورها النسبي على الأرض وإدارة الملفات الأساسية، ما أعطاها هامشاً من المناورة للتعامل مع المجتمع الدولي بمرونة أكثر من النظام السابق، ويُنظر إلى اجتماع عمّان على أنه جزء من جهود دمشق لكسر عزلة استمرت أكثر من عقد، وفتح قنوات تعاون جديدة على المستوى الإقليمي والدولي.
حضور الأطراف الثلاثة في اجتماع عمّان يعكس أهمية التنسيق الإقليمي والدولي حول الملف السوري، ويظهر حرص كل طرف على تعزيز الاستقرار والتعاون في ملفات الأمن وإعادة الإعمار.
الأردن، كدولة مضيفة، يعكس من خلال مشاركته دورها المحوري كوسيط إقليمي، واستعداده لدعم جهود الحلول العملية في سوريا، بما يشمل الجانب الأمني ومكافحة تهريب المخدرات، إضافة إلى توفير الأرضية المناسبة للحوار السياسي البناء.
سوريا، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ترسل رسالة واضحة عن قدرتها على إدارة الحوار المباشر مع القوى الدولية، وإرادتها في إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والاقتصادية بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين.
الولايات المتحدة، عبر ممثلها الخاص، تؤكد من جانبها حرصها على دعم الاستقرار ومتابعة ملفات محددة مثل وقف إطلاق النار ومراقبة الحدود والتنسيق الإنساني، ضمن استراتيجية توازن بين الضغط السياسي والدعم التدريجي للعملية الإقليمية.
من خلال هذا التمثيل، يبرز الاجتماع منصة حيوية لتوحيد الرؤية حول الملفات المشتركة، وإرساء قواعد للتعاون المستقبلي في مجالات الأمن، التنمية، وإعادة الإعمار، بما يساهم في ترسيخ الاستقرار على المستوى المحلي والإقليمي.
يشكل ملف السويداء ووقف إطلاق النار أحد أبرز الملفات التي ركز عليها اجتماع عمّان الثلاثي، نظراً لحساسيته وأثره المباشر على استقرار المنطقة، فقد شهدت المحافظة في الأشهر الأخيرة اشتباكات طائفية مسلحة أسفرت عن مئات القتلى والجرحى، إضافة إلى نزوح داخلي محدود لأسر نحو المناطق الآمنة، مما أبرز حاجة ماسة لتدخل دبلوماسي وإجراءات عاجلة لوقف التصعيد.
في هذا السياق، ركز الاجتماع على عدة نقاط أساسية:
1. تشكيل مجموعة عمل ثلاثية تضم ممثلين عن سوريا والأردن والولايات المتحدة، لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وتقديم الدعم اللوجستي والفني للحكومة السورية المحلية.
2. آليات مراقبة وشفافية: تم الاتفاق على اعتماد نظام تبادل معلومات استخباراتي دوري، يتيح رصد أي خروقات محتملة للتهدئة، وتوفير بيانات دقيقة تساعد على التدخل الفوري لتجنب التصعيد.
3. دعم إعادة الإعمار الطارئ: شمل النقاش إمكانية تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للمتضررين، بما في ذلك توفير المأوى والمستلزمات الطبية والغذائية، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والإقليمية.
4. التواصل مع المجتمع المحلي: تم التأكيد على أهمية إشراك المجالس المحلية والوجهاء القبليين في مراقبة وقف إطلاق النار، وتعزيز دور المجتمع المدني لضمان احترام التهدئة.
كما تم التطرق إلى الأبعاد الأوسع لوقف إطلاق النار في السويداء، إذ يمثل هذا الملف مؤشراً على قدرة الأطراف الثلاثة على التعاون في ملفات محلية حساسة، ما قد يكون نموذجاً يمكن تكراره في مناطق أخرى تواجه نزاعات محلية محدودة، ويؤكد هذا التوجه أن الاجتماع لم يقتصر على الطابع الدبلوماسي العام، بل حاول تقديم حلول عملية وملموسة للتحديات الأمنية التي تهدد استقرار المحافظة.
يمثل ملف إعادة الإعمار أحد أبرز التحديات التي تواجه سوريا بعد سنوات من النزاع العميق، لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد، الاستقرار الاجتماعي، والبنية السياسية الداخلية، لا يقتصر الحديث عن إعادة البناء على المشاريع الهندسية، بل يشمل إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع الدولي.
تكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تمثل فرصة نادرة لسوريا لإعادة تأسيس البنية التحتية الحيوية التي تضررت بشدة خلال الحرب، بما في ذلك شبكات النقل والمواصلات، المطارات، شبكات الكهرباء والمياه، والمرافق العامة الضرورية لحياة المواطنين، إلى جانب ذلك، تعتبر إعادة الإعمار أداة لإطلاق عجلة الاقتصاد المحلي من خلال خلق فرص عمل، تنشيط القطاع التجاري، وتشجيع الاستثمارات المحلية والإقليمية، مما يساهم في استقرار المجتمعات المتضررة وتحقيق استدامة اجتماعية طويلة المدى.
كما يمثل التنسيق الدولي والإقليمي في هذا المجال عنصراً حيوياً لضمان نجاح أي مشروع، إذ يشدد الاجتماع الثلاثي في عمّان على ضرورة توفير الدعم المالي والفني ضمن آليات واضحة تحفظ مصالح الدولة السورية وتراعي احتياجات السكان، بعيداً عن أي استغلال سياسي أو اقتصادي خارجي. وفي الوقت نفسه، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية بحيث يمكن تنفيذ المشاريع الكبرى على الأرض دون تعطيل أو تأخير، ما يجعل اجتماع عمّان خطوة أولى في مسار طويل ومعقد نحو إعادة الإعمار الفعلي وتحقيق التنمية المستدامة في سوريا.
رغم التفاؤل الحذر الذي يرافق اجتماع عمّان الثلاثي، يبقى الطريق أمام سوريا طويلاً ومعقداً، ويتطلب استمرار التنسيق والمتابعة الدقيقة للملفات الحساسة، ويُظهر الاجتماع أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز التعاون بين الأطراف الثلاثة لمتابعة تنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار، ودعم المشاريع التنموية والاقتصادية بطريقة تحافظ على التوازن بين المصالح الوطنية والإقليمية والدولية.
كما أن فتح قنوات التعاون تدريجياً مع دول عربية أخرى يعكس رغبة الأطراف في دمج سوريا بمحيطها الإقليمي بشكل مستدام، ما يتيح تعزيز الاستقرار السياسي والأمني في مناطق النزاع، وخلق فرص اقتصادية للسكان المحليين. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل التحديات المحتملة على الأرض، سواء من بعض الفصائل المحلية التي قد تتخذ مواقف تحفظية، أو من اختلافات داخلية قد تؤثر على سرعة تنفيذ القرارات.
إجمالاً، يظهر اجتماع عمّان خطوة استراتيجية أساسية نحو إعادة بناء سوريا، لكنه يمثل البداية لمسار طويل يحتاج إلى التزام مستمر من الحكومة السورية، ودعم المجتمع الدولي، والتنسيق الفعال بين الأطراف الإقليمية. الرسائل التي خرج بها الاجتماع تؤكد أن التهدئة المؤقتة والتحركات التنسيقية يمكن أن تتحول إلى مسار عملي لإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، مع الحفاظ على سيادتها ومصالح شعبها، وتحقيق استقرار دائم ومستدام.
يعد اجتماع عمّان الثلاثي خطوة استراتيجية مهمة في مسار إعادة بناء سوريا، يجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد في إطار توازن دقيق بين المصالح الوطنية والإقليمية والدولية، كما أن الرسائل التي خرج بها الاجتماع تشير إلى تهدئة مؤقتة لكنها ضرورية، ومسار تدريجي نحو التعاون المشترك، ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً أمام أي نتائج ملموسة، ويستلزم استمرار الحوار، وضمان التزام جميع الأطراف، ودعم المجتمع الدولي لتحقيق استقرار مستدام لسوريا وإعادة إدماجها في محيطها الإقليمي والدولي.





