سياسة
أبلغ ما قيل عن استحالة الفصل بين الفعل ورد الفعل إذا انحدرا في نفس الهاوية: “العين بالعين تجعل العالم أعمى” لا شيء يكشف جوهر المرء مثل ردّ فعله على الاستفزاز. الفعل قد يكون غريزة، لكن الردّ قرار.
ما فاضت به أحداث السويداء الأخيرة على القشرة الأرضية، شكّل لحظة مفصلية في إعادة ترتيب العلاقات بين المكون الجماعي والدولة والإقليم، معبرّة عن فجوة بنيوية خلفها عقدان من الحرب، وحالة انهيار ضمني في التماسك الوطني يتمدد إلى سردية الانتماء ومعايير الثقة السياسية. وبعيداً عن منطق الاتهام أو الزج بالمسؤولية على مكوّن بعينه، يمكن القول إن طبيعة الانكفاء المؤقت للمركز، وتشوّش العلاقة بين الهويات المحلية والسلطة السيادية، أوجدت فرصة لإسرائيل -ورم المنطقة المعدي- لتقديم نفسها كفاعل إنساني حامٍ! بهذه السخرية.
ما حدث، ولو انطلق من مخاوف ضيّقة، يُستغل بمهارة من قبل إسرائيل من أجل تفتيت ما تبقى من وحدة الهوية السورية، وتوسيع الفجوة مع الدروز السوريين في كل مكان، وخصوصاً السويداء -التي لا تصلح تحديداً للانفصال- ويدرك أهلها ذلك، لكنها لطالما دعت أن تنزلق تدريجياً نحو منطقة وظيفية أمنية لها، تمد يد العون كلما حاولت السطلة بسط نفوذها لتُستثمر سريعاً في تصوير الطائفة الدرزية في المحافل والإعلام كجسم غريب أو غير مندمج في النسيج الوطني. مما يفتح الباب لنبذ اجتماعي أو حتى شيطنة سياسية، تضعف موقف الدروز الوطني أنفسهم وتجعلهم في موقع دفاع دائم، الأمر الذي تريده الأخرى لتبرير دعمها الوقائي.
إسرائيل تسعى إلى إبقاء سوريا مقسمة إدارياً، لكنها لا تدفع باتجاه انفصال واضح، لأن في هذه الحالة ستكون هناك مسؤوليات يصعب على إسرائيل تحملها. بدلاً من ذلك، يتم استخدام سياسة “الاتزان الهشّ” كما تصفها صحيفة هآرتس.
بالعودة إلى الوراء، قبل زيارة مقام النبي شعيب بكثير، وتحديداً إلى عام 2018 وما عرف حينها بهجمات السويداء، عقاب الأسد! عندما شن تنظيم داعش هجماته واستهدف مناطق متفرقة وأسفر عن مقتل وجرح المئات من المدنيين. ورغم الغضب الشعبي لدى الدروز الإسرائيليين من المجازر، لم تعتبر القيادة السياسية الإسرائيلية ذلك أولوية أمنية أو أخلاقية! ولم نر موفق طريف في فيديو مسرب وهو يصرخ بوجه ضباط إسرائيليين كما فعل الآن.
إسرائيل التي لطالما تبنّت ما يُعرف بسياسة “عدم التدخل العميق” في الصراعات الداخلية، إلا إذا مست مصالحها الأمنية المباشرة. أو هكذا تبرر، عندها لم يكن الوضع في السويداء يُهدد أمن إسرائيل المباشر، اختارت التملص! لكن اليوم، تدخّلها باسم “حماية الدروز” لا يُفسَّر إلا بأنه تكتيك سياسي لتثبيت نفوذها في الجنوب بحزام أمني واستغلال الفراغ، توظيف التصدّع واستثمار الانقسام السوري في شيء واحد فقط: الجولان. محور الاهتمام وجوهره.
التطبيع كان حديث الجمهور قبل بضعة أشهر، لكنه يبقى رهاناً هشّاً ومؤجلاً لا يُعوّل عليه وهو بكل تأكيد ما يمكن تأجيله أو حتى تجاوزه، فخسارة السيطرة على الجولان تُعد انتكاسة وجودية لإسرائيل في ظل الانفتاح الذي تشهده دمشق على العالم الذي يزعج دولة الاحتلال كثيراً.
التطبيع أساساً مع سوريا، غير مضمون ومكلف، المجتمع السوري بكافة أطيافه وحتى الذين ينادون به من باب الكف عن الحروب، يرفض التطبيع بلا شروط تتضمن عودة الجولان، ما يجعل أي تطبيع بدون هذا الشرط بلا قيمة استراتيجية لإسرائيل التي لا تريد الدخول في مفاوضات عبثية، تعيدها لنقطة الصفر كما حصل بعد مؤتمر مدريد وأوسلو والجولات السابقة.
هذا ما يُفسّر تكثيف الاستيطان والاستثمار والخطاب السياسي حول “يهودية الجولان” لذلك تركّز اليوم على “شرعنة السيطرة” لا “السلام مقابل الأرض”.
الأمم المتحدة تعتبر الجولان أراضي محتلة، وقرار مجلس الأمن 497 لعام 1981 يرفض قرار إسرائيل بضم الجولان ويعدّه باطلاً قانونياً، ورغم اعتراف ترامب بإسرائيلية الأرض في دورته الرئاسية السابقة، يبدي انفتاحاً على دمشق هذه المرّة، وهو ما يزعج إسرائيل أكثر. السكان السوريون هناك يشكّلون اليوم آخر جيل حيّ من المدنيين السوريين الذين يعيشون تحت الاحتلال في أراضي ما قبل عام 1967 وإذا تكرّست فكرة أن “الدروز لا يرون أنفسهم جزءاً من سوريا”، حتماً يُستخدم ذلك كذريعة للدفع نحو استفتاء صوري أو قرار قسري بمنح الجنسية الإسرائيلية لكل من فيها، هذا بدوره يضغط على مجلس الأمن لتعديل موقفه تدريجياً، خاصة إذا تزامن مع حملة دولية تصف إسرائيل بأنها “تحمي طائفة مضطهدة”، ولو كان الواقع عكس ذلك تماماً.
يبقى هذا كله في حيز القراءة، لا الحسم. فالساحة ملغّمة بالتأويل، والتاريخ لا يُكتب في لحظته.
وأدرك أيضاً: أن الحقيقة مُجزّأة، وأن كلاً يمسك بجزء منها ويظنه الكل. لذا، أكتفي هنا بالملاحظة.
حذارِ أن تضلنا الحميّة عن البوصلة، أو أن يعمينا الغضب عن حقيقة ما يُراد لهذه الأرض التي تستحق أفضل من ذلك، لا نعيب المطالبة بالحقوق، لكننا نعيب السعي الجامح في سبيل الجناية والتوريط، وندينه، كما ندين الجريمة وإذلال كل آخر يرمي بنا إلى الشقاق من حيث أردنا النجاة، وأن نصبح أدوات في مشروع أكبر منّا، عنوانه لفظ البلاد إلى الأبد.




