مجتمع
في الـ27 من حزيران/ يونيو عام 1980، شهد سجن تدمر العسكري إحدى أبشع المجازر السياسية في تاريخ سوريا الحديث، حين اقتحمت وحدات من سرايا الدفاع، بقيادة رفعت الأسد، السجنَ في ساعات الفجر الأولى، وأعدمت مئات المعتقلين السياسيين رمياً بالرصاص، دون محاكمة، ودون حتى محاولة إضفاء الطابع الشكلي على القرار. جرى كل شيء في صمتٍ إداري، وبدم بارد، في سياق يبدو أنه لم يكن مجرد رد فعل على محاولة اغتيال فاشلة لحافظ الأسد، بل كان خطوة محسوبة ضمن مشروع أمني هدفه تثبيت السلطة بالدم، وتوجيه رسالة لا لبس فيها: أن النظام لن يتردد في تصفية خصومه، ولو داخل الزنازين.
45 عاماً مرّت على المجزرة التي لم تُفتح لها ملفات العدالة، ولم تُنشر فيها قوائم الشهداء الكاملة، ولم تُبثّ عنها أي صور موثّقة، لكنها رغم ذلك، ما تزال تشكّل لحظة مفصلية في الوعي السوري، لا بوصفها جريمة وقعت في مكان مغلق، بل لأنها مثّلت تجلياً صريحاً لنمط الحكم الذي بدأ يتكرّس منذ سبعينيات القرن الماضي، ويتوسّع حتى شمل البلاد بأكملها.
لم تكن تدمر حدثاً عابراً في تاريخ القمع، بل لحظة تأسيس لنظامٍ يرى في القتل العلني وسيلةَ حكم، وفي الصمت الشعبي شرطاً للنجاة، وفي تغييب العدالة ضرورة لاستمرار السيطرة. من هنا، لا يمكن قراءة المجزرة بوصفها نهاية مأساوية لمئات المعتقلين، بل بداية رمزية لسوريا التي ستُحكم لاحقاً بمنطق السجن المفتوح، حيث تُختزل السياسة في الطاعة، وتُدار البلاد كما تُدار الزنازين.
لم يكن سجن تدمر مجرد منشأة عقابية في الصحراء الشرقية لسوريا، بل مثّل منذ سبعينيات القرن الماضي، النموذج الأكثر فجاجة لتجسيد الدولة الأمنية التي أرسى حافظ الأسد أركانها بعد استيلائه على الحكم عام 1970. فمع ازدياد حدّة المواجهة بين النظام ومجموعة من التيارات السياسية، خصوصاً التيار الإسلامي، تحوّل السجن تدريجياً إلى فضاء مخصص للتنكيل بالمعارضين، لا لتأديب الخارجين عن القانون فحسب، بل لإرسال رسالة إلى الداخل مفادها أن الدولة الجديدة لا تعارض فيها ولا تسامح.
تُشير شهادات المعتقلين الناجين إلى أن تدمر لم يكن سجناً عادياً يخضع للقوانين أو الرقابة، بل منطقة خارجة عن المنطق القانوني والسياسي، يتم فيها التعامل مع الإنسان باعتباره مشروع خطر يجب إلغاؤه. فإضافة إلى أوضاع الاحتجاز المهينة والتعذيب المنهجي، كانت سياسة العزل التام عن العالم، وحرمان المعتقلين من الزيارة أو الاتصال أو حتى تمييز الزمان، جزءاً من العقيدة الأمنية التي ترى في السجين تهديداً رمزياً لبنية النظام، وإن كان أعزلاً. وتؤكّد شهادات مثل تلك الواردة في رواية مصطفى خليفة “القوقعة” على مدى التنكيل اليومي وانعدام الإنسانية في الزنازين.
لم يكن الهدف من السجن الإصلاح أو التحقيق، بل كسر الإرادة وطمس الهوية وإلغاء الشخص سياسياً ونفسياً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن سجن تدمر لم يكن مجرد أداة في يد الدولة، بل كان صورة مكثّفة عن الدولة نفسها: دولة تبني شرعيتها على الخوف، وتحرس استقرارها بإرهاب المواطنين، وتُدار من فوق القانون لا من خلاله.
وقد ازداد هذا الطابع المؤسسي مع صعود سرايا الدفاع، القوة العسكرية الخاصة التي أسسها رفعت الأسد، لتكون بمثابة الحارس الشخصي للنظام، والذراع التي لا تتورع عن تنفيذ عمليات التصفية الجسدية حين تعجز باقي المؤسسات عن الردع الرمزي. فقبل المجزرة الكبرى عام 1980، كانت سرايا الدفاع قد تورّطت في عشرات الانتهاكات في مناطق مختلفة من البلاد، إلا أن تدمر بقي الفضاء الأشد احتكاراً للسلطة، والأكثر بعداً عن أي رقابة وطنية أو دولية.
إن النظر إلى تدمر كسجن فقط هو اختزال للواقع. لقد كان التجلي العملي الأول لنموذج الحكم السوري في عهده الأسدي: حيث تسود القوة على القانون، وتُختزل الدولة كلها في زنزانة واحدة، مغلقة، ومعتمة، ولا أحد يخرج منها كما دخل.
لم تكن مجزرة سجن تدمر في حزيران/ يونيو 1980 مجرد تجاوز دموي في لحظة توتر سياسي، بل كانت لحظة مفصلية في تثبيت نمط الحكم القائم في سوريا، وتحويله من دولة تملك جهازاً أمنياً إلى جهاز أمني يملك دولة. فما جرى في ذلك اليوم لم يكن عملية تصفية استثنائية لمعتقلين سياسيين، بل إعلاناً صريحاً بأن الحياة السياسية قد انتهت، وأن الدولة قرّرت التعامل مع المعارضة لا بصفتها انحرافاً يجب احتواؤه، بل بوصفها تهديداً وجودياً يجب اجتثاثه.
في الساعات الأولى من صباح الـ27 من حزيران/ يونيو، دخلت وحدات عسكرية تابعة لسرايا الدفاع إلى سجن تدمر ونفّذت عملية إعدام جماعي بحق مئات المعتقلين، دون أي إجراء قانوني، ودون محاكمات، ودون تمييز بين المتهم والمدان والمشتبه به. كان كل من خلف الأسوار هدفاً مباحاً، وكانت الرسالة موجهة لا إلى الداخل السوري فقط، بل إلى كوادر النظام ذاته: أن البقاء في السلطة لن يكون مرهوناً بالتوازن أو التفاوض، بل بالردع والدم.
ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في 1981، فإن المجزرة أسفرت عن مقتل ما يقارب ألف معتقل، معظمهم دون محاكمة أو تهمة مثبتة.
جاءت المجزرة بعد يوم واحد فقط من محاولة اغتيال فاشلة تعرّض لها حافظ الأسد، ونُظر إليها على نطاق واسع بوصفها انتقاماً مباشراً. لكن هذا التفسير، وإن كان يشرح التوقيت، لا يكفي لتفسير حجم العملية وطبيعتها. فما جرى في تدمر لم يكن انفعالاً غاضباً، بل عملية منظمة وواسعة، استُخدمت فيها وحدات عسكرية مدربة، ونُفذت بتسلسل واضح، ما يدل على أنها كانت مبيتة أو على الأقل مُيسّرة ببنية جاهزة للتنفيذ. وهذا ما يُشير إلى أن المجزرة لم تكن استثناء عن منطق الدولة، بل كانت تمثيلاً صارخاً له.
ما يجعل مجزرة تدمر مفصلية في تشكّل النظام السوري، أنها مثّلت لحظة تَحوّل فيها القمع من وسيلة لضبط المعارضة إلى أداة لإلغاء وجودها من الأصل. لم يعد المعتقل يُعامل على أنه خصم سياسي مؤقت، بل كائن فائض، لا ينبغي أن يبقى، ولا حتى أن يُدفن باسمه. وللمرة الأولى، يُوظَّف السجن لا أداة احتجاز بل مساحة لتنفيذ الإبادة السياسية الجماعية، ضمن معادلة جديدة تحكم العلاقة بين النظام والمجتمع: من يخرج عن الطاعة، لا يُسجن، بل يُلغى.
في هذا السياق، لم يكن استهداف المعتقلين جزءاً من المواجهة، بل جزءاً من تأسيس نمط جديد من الحكم، تُصبح فيه الدولة كياناً مغلقاً على السلطة وحدها، لا تسامح فيه، ولا وساطة، ولا فصل بين الفكرة والمصير. وهو النمط الذي سيستمر لعقود لاحقة، ويتكرر بوسائل مختلفة في السجون الأخرى، وعلى نطاق أوسع في ساحات البلاد كلها.






