مدونات
في هذا الوقت الذي تعصف فيه المتغيرات بسوريا كما تعصف الرياح العاتية بسفينةٍ تبحث عن مرفأ أمان، برز اسم أسعد الشيباني كأحد أعمدة القيادة السياسية الجديدة. فبعد أن وضعت ثورتنا المُباركة أوزارها بعد انتصارها، وبدأت بلادنا تلملم جراحها، كان الشيباني من أوائل الذين حملوا على عاتقهم مهمة إعادة سوريا إلى الخارطة السياسية الدولية. الشيباني لم يهبط على السياسة من الأعلى، بل صعد إليها من بين الناس، من بيئة ريفية بسيطة في بلدة أبو رأسين بمحافظة الحسكة، وكابد في مسيرة حياته ما يكفي لتكوين رجل دولة حقيقي. عاش في كنف أسرة تعرف قيمة الكد والتعب، وكبر كما كبرنا نحن أبناء الثورة بقليلٍ من الراحة، وكثيرٍ من الإيمان.
انتقل لاحقاً إلى دمشق ليدرس اللغة الإنجليزية، ثم إلى إسطنبول، وهناك عمّق معرفته السياسية والأكاديمية، حاصلاً على الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة صباح الدين زعيم، في انتظار يومٍ يعود فيه لخدمة بلده. كان في طريقه للدكتوراه حين أطاحت الثورة بنظام الأسد البائد، فاستدعته اللحظة التاريخية ليكون في قلبها وكتفاً بكتف جانب الشعب السوري كما تمنى دائماً.
منذ أن حمل أسعد الشيباني أمانة وزارة الخارجية، كنت أنا وكل السوريين نتابع من أمِنّا معه على بلدنا وأحلامنا وتضحيات ثورتنا أمام العالم، لم نبحث فيه عن بطلٍ معصوم، كل ما أردناه أن نشعر أنّ يداً أمينة تمسك بأحلامِنا، وتدفعها بصدقٍ نحو برّ الأمان.
الآن، وبعد خمسة أشهر من تحرير أراضي الجغرافيا السورية من براثن الأسد، أثبت لنا الشيباني أنه لم يقفز فوق وجعنا ليقطف مجداً شخصياً، ولم يتنكر لأهله، على العكس، هو يحملنا معه دائماً في كلماته، في ابتساماته، وفي كل خطوةٍ يخطوها باسم سوريا الحرّة.
هذا ما فعله حينما عانق علمَ سوريا سماء نيويورك، فقال: “لم تكن يدي فقط التي رفعت هذا العلم، بل كان هناك مليون شهيد سوري قد ساعدني برفعه، وخمسة عشر مليون نازح ولاجئ إلى جانبي، وأيضاً أصوات أمهات الشهداء والمفقودين”. فما أسعدنا بك حين صنتَ تضحياتنا يا أسعد.
في خطابه أمام مجلس الأمن، تحدّث بجرأة عن مسؤولية المجتمع الدولي فيما آلت إليه سوريا، لكنه لم يطلب شفقة، بل احتراماً وإعادة اعتبار لبلده، الذي يستطيع أن يساهم في نمو الاقتصاد العالمي بدلاً من أن يكون مجرد ملف إغاثي على طاولات الاجتماعات.
وبحزم المحب لوطنه وشعبه، شدد على أن العقوبات التي أبقت السوريين أسرى الفقر والجوع قد فقدت شرعيّتها، وآن لها أن تسقط كما سقط من فُرضت عليه، وهذا أكثر ما يتوق إليه كل سوري ليعيش عيشاً كريماً.
من الواضح أن رؤية الشيباني لا تختزل في مجرد إنهاء العقوبات أو استعادة مقعد سوريا على الساحة الدولية، بل تمتد إلى تأسيس سياسة خارجية حديثة تقوم على الاستقلالية والانفتاح المسؤول، تُعلي من مصلحة الوطن، وتحترم توازنات العالم، دون أن ترهن القرار السوري لإملاءات أو تحالفات ضاغطة كما كان الحال في عهد النظام المخلوع. إنها سوريا التي تختار مصيرها بوعي، وتصنع مكانتها بكرامة، لا بوصاية أحد.
منذ أكثر من نصف قرن ونحن نعيش غرباء بلا حقوق في مزرعةٍ لآل الأسد، الحكومة الجديدة، بكل ما تحمله من آمال وتحديات، تمضي بثبات في إعادة الحق لأهله، ولا سيما أسعد الشيباني، الذي يقاتل بالكلمة والموقف لينتزع لسوريا مكانتها، ويهدينا شعوراً جديداً بأننا ننتمي إلى وطنٍ لا يتخلى عن أبنائه.
هذا الرجل الحنون مع شعبه سيكون شرساً مع كل من تسوّل له نفسه أن يقلل من السوريين. هذه رسالة واضحة أن سوريا الجديدة لا تسمح بعد اليوم بأن يُكسر ظهر أبنائها دون أن تجد صوتاً لها يقاتل عنهم.
ومن بين المشاهد التي سكنت القلب قبل العين، ذلك المقطع العابر الذي التُقط لأسعد الشيباني والرئيس أحمد الشرع، وهما يتبادلان اللعب بكرة السلة. كان الشيباني والرئيس الشرع يلعبان بربطة عنقهم، لم يسعفهم الوقت أن يخلعوها عنهم، وكأنما انتُزعوا من بين ملفات البلاد الثقيلة إلى لحظة حياة خاطفة.
وهذه اللقطات الهادئة، التي علّق عليها الشيباني قائلاً: “على هامش معركة بناء وطننا”، إنما تعبّر عن النفس العميق لهما كرجال سياسة، وحينما ذكر مصطلح “معركة”، فهو يعرف جيداً ما يريدُ إيصاله من خلاله.
لخمسين عاماً كان المسؤول يتوهم أن الجلال في البُعد، وأن الكرامة في اعتلاء السدود. فجاء الشرع والشيباني ليعلّمونا أن العظمة في البساطة، وأن أرقى مظاهر القيادة أن تبقى إنساناً قريباً من شعبك مهما علا بك منصبك.
أن تكون وزيراً للخارجية في سوريا الجديدة، معناه أن تمشي على حبل مشدود بين تحديات كثيرة قادمة. نسأل الله أن يسدد خطاه في اتخاذ القرارات المصيرية، وأن يلهمه الحكمة والبصيرة فيما يعود بالخير على البلاد والعباد، وأن يجعل جهوده ركيزة ثابتة في صرح سوريا الجديدة؛ سوريا الحرية والعدالة والسيادة الكاملة.
